وتفريعا على هذا التعقيب،يأخذ بهم السياق في جولة جديدة حول القرآن تبدأ بنفي التصور لإمكان أن يكون القرآن مفترى من دون اللّه،وتحديهم أن يأتوا بسورة مثله.وتثني بوصمهم بالتسرع في الحكم على ما لم يعلموه يقينا أو يحققوه.وتثلث بإثبات حالتهم في مواجهة هذا القرآن،وتثبيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - على خطته أيا كانت استجابتهم أو عدم استجابتهم له،وتنتهي بالتيئيس من الفريق الضال والإيماء إلى مصيرهم الذي لا يظلمهم اللّه فيه وإنما يستحقونه بما هم فيه من ضلال: «وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ،وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ:افْتَراهُ؟ قُلْ:فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ،وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ.كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ،فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ.وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ،وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ.وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ:لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ،أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ.وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ،أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ؟ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ،أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا.وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» ..
«وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ» ..فهو بخصائصه،الموضوعية والتعبيرية.بهذا الكمال في تناسقه وبهذا الكمال في العقيدة التي جاء بها ،وفي النظام الإنساني الذي يتضمن قواعده وبهذا الكمال في تصوير حقيقة الألوهية،وفي تصوير طبيعة البشر،وطبيعة الحياة،وطبيعة الكون ..لا يمكن أن يكون مفترى من دون اللّه،لأن قدرة واحدة هي التي تملك الإتيان به هي قدرة اللّه.القدرة التي تحيط بالأوائل والأواخر،وبالظواهر والسرائر،وتضع المنهج المبرأ من القصور والنقص ومن آثار الجهل والعجز ..
«وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ» ..ما كان من شأنه أصلا أن يفترى.فليس الافتراء هو المنفي،ولكن جواز وجوده هو المنفي.وهو أبلغ في النفي وأبعد.
«وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» ..من الكتب التي سبق بها الرسل.تصديقها في أصل العقيدة،وفي الدعوة إلى الخير. «وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ» ..الواحد الذي جاء به الرسل جميعا من عند اللّه،تتفق أصوله وتختلف تفصيلاته ..
وهذا القرآن يفصل كتاب اللّه ويبين وسائل الخير الذي جاء به،ووسائل تحقيقه وصيانته:فالعقيدة في اللّه واحدة،والدعوة إلى الخير واحدة.ولكن صورة هذا الخير فيها تفصيل،والتشريع الذي يحققه فيه تفصيل،يناسب نمو البشرية وقتها،وتطورات البشرية بعدها،بعد أن بلغت سن الرشد فخوطبت بالقرآن خطاب الراشدين،ولم تخاطب بالخوارق المادية التي لا سبيل فيها للعقل والتفكير.
«لا رَيْبَ فِيهِ،مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» ..تقرير وتوكيد لنفي جواز افترائه عن طريق إثبات مصدره: «مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» ..