ماذا؟ ثم ذهب هؤلاء الطغاة الذين كانوا ملء الأعين والنفوس في هذه الأرض:ذهبوا فلم يأس على ذهابهم أحد،ولم تشعر بهم سماء ولا أرض ولم ينظروا أو يؤجلوا عند ما حل الميعاد:
«فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ» ..
وهو تعبير يلقي ظلال الهوان،كما يلقي ظلال الجفاء ..فهؤلاء الطغاة المتعالون لم يشعر بهم أحد في أرض ولا سماء.ولم يأسف عليهم أحد في أرض ولا سماء.وذهبوا ذهاب النمال،وهم كانوا جبارين في الأرض يطأون الناس بالنعال! وذهبوا غير مأسوف عليهم فهذا الكون يمقتهم لانفصالهم عنه،وهو مؤمن بربه،وهم به كافرون! وهم أرواح خبيثة شريرة منبوذة من هذا الوجود وهي تعيش فيه! ولو أحس الجبارون في الأرض ما في هذه الكلمات من إيحاء لأدركوا هوانهم على اللّه وعلى هذا الوجود كله.ولأدركوا أنهم يعيشون في الكون منبوذين منه،مقطوعين عنه،لا تربطهم به آصرة،وقد قطعت آصرة الإيمان.
وفي الصفحة المقابلة مشهد النجاة والتكريم والاختيار: « وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ.وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ.وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ» ..
ويذكر هنا نجاة بني إسرائيل من العذاب «الْمُهِينِ» في مقابل الهوان الذي انتهى إليه المتجبرون المتعالون المسرفون في التجبر والتعالي: «مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ» ..
ثم يذكر اختيار اللّه لبني إسرائيل - على علم - بحقيقتهم كلها،خيرها وشرها.اختيارهم على العالمين في زمانهم بطبيعة الحال،لما يعلمه اللّه من أنهم أفضل أهل زمانهم وأحقهم بالاختيار والاستخلاف على كل ما قصه عنهم بعد ذلك من تلكؤ ومن انحراف والتواء.مما يشير إلى أن اختيار اللّه ونصره قد يكون لأفضل أهل زمانهم ولو لم يكونوا قد بلغوا مستوى الإيمان العالي إذا كانت فيهم قيادة تتجه بهم إلى اللّه على هدى وعلى بصيرة واستقامة.
«وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ» ..فتعرضوا للاختبار بهذه الآيات،التي آتاهم اللّه إياها للابتلاء.حتى إذا تم امتحانهم،وانقضت فترة استخلافهم،أخذهم اللّه بانحرافهم والتوائهم،وبنتيجة اختبارهم وابتلائهم،فضربهم بمن يشردهم في الأرض،وكتب عليهم الذلة والمسكنة،وتوعدهم أن يعودوا إلى النكال والتشريد كلما بغوا في الأرض إلى يوم الدين ..
وبعد هذه الجولة في مصرع فرعون وملئه،ونجاة موسى وقومه،وابتلائهم بالآيات بعد فتنة فرعون وأخذه ..بعد هذه الجولة يعود إلى موقف المشركين من قضية البعث والنشور،وشكهم فيها،وإنكارهم لها.يعود ليربط بين قضية البعث وتصميم الوجود كله وبنائه على الحق والجد،الذي يقتضي هذا البعث والنشور:« إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ:إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ.فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ