فهرس الكتاب
فهي حال يتطلع إليها رجال من التابعين - ذوي المكانة في الإيمان واليقين - ويجدون أنفسهم دونها.اختص بها ناس ممن اختارهم اللّه،ووفقهم إلى القيام بحقها.وكتبهم بها عنده من المحسنين.
وهذه حالهم مع ربهم،فأما حالهم مع الناس،وحالهم مع المال،فهو مما يليق بالمحسنين: «وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» ..فهم يجعلون نصيب السائل الذي يسأل فيعطى،ونصيب المحروم الذي يسكت ويستحيي فيحرم.يجعلون نصيب هذا وهذا حقا مفروضا في أموالهم.وهم متطوعون بفرض هذا الحق غير المحدود.وهذه الإشارة تتناسق مع علاج السورة لموضوع الرزق والمال،لتخليص القلب من أوهاق الشح وأثقال البخل وعوائق الانشغال بالرزق.وتمهد للمقطع التالي في السورة،في الوقت الذي تكمل سمة المتقين وصورة المحسنين.
« وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ.وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ؟ وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ.فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ» ..
وهي لفتة إلى آيات اللّه في الأرض وفي الأنفس وتوجيه إلى السماء في شأن الرزق المكتوب والحظ المقدور.تختم بقسم عظيم.قسم اللّه - سبحانه - بذاته بوصفه: «رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ» اللتين ورد ذكرهما في هذا المقطع.على أن هذا القول الذي جاءهم من عنده حق يقين ..
«وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ.وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ» ؟ ..
هذا الكوكب الذي نعيش عليه معرض هائل لآيات اللّه وعجائب صنعته.معرض لم نستجل منه حتى اللحظة إلا القليل من بدائعه.ونحن نكشف في كل يوم جديدا منه،ونطّلع منه على جديد ..ومثل هذا المعرض،معرض آخر مكنون فينا نحن ..النفس الإنسانية ..الخفية الأسرار،التي تنطوي فيها أسرار هذا الوجود كله،لا أسرار الكوكب الأرضي وحده! وإلى هذين المعرضين الهائلين تشير الآيتان تلك الإشارة المختصرة،التي تفتح هذين المعرضين على مصاريعهما لمن يريد أن يبصر،ولمن يريد أن يستيقن،ولمن يريد أن يملأ حياته حتى تفيض بالمتعة والمسرة،وبالعبرة الحية،وبالرصيد القيم من المعرفة الحقة،التي ترفع القلوب وتضاعف الأعمار! والنصوص القرآنية معدة للعمل في جميع الأوساط والبيئات والظروف والأحوال.قادرة على إعطاء رصيد معين لكل نفس ولكل عقل ولكل إدراك.كل بقدر ما يتقبل منها وما يطيق.وكلما ارتقى الإنسان في المعرفة،واتسعت مداركه،وزادت معلوماته،وكثرت تجاربه،واطلع على أسرار الكون وأسرار النفس ..ارتقى نصيبه،وتضخم رصيده،وتنوع زاده الذي يتلقاه من نصوص القرآن ..هذا الكتاب الذي « لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَا