«وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ:أَكْرِمِي مَثْواهُ،عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا.وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ،وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ،وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ،وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» ..
إن السياق لا يكشف لنا حتى الآن عمن اشتراه،وسنعلم بعد شوط في القصة أنه عزيز مصر (قيل:إنه كبير وزرائها) ولكنا نعلم منذ اللحظة أن يوسف قد وصل إلى مكان آمن،وأن المحنة قد انتهت بسلام،وأنه مقبل بعد هذا على خير: «أَكْرِمِي مَثْواهُ» ..
والمثوى مكان الثويّ والمبيت والإقامة،والمقصود بإكرام مثواه إكرامه،ولكن التعبير أعمق،لأنه يجعل الإكرام لا لشخصه فحسب،ولكن لمكان إقامته ..وهي مبالغة في الإكرام.في مقابل مثواه في الجب وما حوله من مخاوف وآلام! ويكشف الرجل لامرأته عما يتوسمه في الغلام من خير،وما يتطلع إليه فيه من أمل: «عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا» ..ولعلهما لم يكن لهما أولاد كما تذكر بعض الروايات.ومن ثم تطلع الرجل أن يتخذاه ولدا إذا صدقت فراسته،وتحققت مخايل نجابته وطيبته مع وسامته.
وهنا يقف السياق لينبه إلى أن هذا التدبير من اللّه،وبه وبمثله قدر ليوسف التمكين في الأرض - وها قد بدأت بشائره بتمكين يوسف في قلب الرجل وبيته - ويشير إلى أنه ماض في الطريق ليعلمه اللّه من تأويل الأحاديث - على الوجهين اللذين ذكرناهما من قبل - ويعقب السياق على هذا الابتداء في تمكين يوسف بما يدل عليه من أن قدرة اللّه غالبة،لا تقف في طريقها قوة،وأنه مالك أمره ومسيطر عليه فلا يخيب ولا يتوقف ولا يضل: «وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ،وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ.وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ» ..
وها هو ذا يوسف أراد له إخوته أمرا،وأراد له اللّه أمرا،ولما كان اللّه غالبا على أمره ومسيطرا فقد نفذ أمره،أما إخوة يوسف فلا يملكون أمرهم فأفلت من أيديهم وخرج على ما أرادوا: «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» ..لا يعلمون أن سنة اللّه ماضية وأن أمره هو الذي يكون.
ويمضي السياق ليقرر أن ما شاء اللّه ليوسف،وقال عنه: «وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» ..
قد تحقق حين بلغ أشده: «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا.وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» ..
فقد أوتي صحة الحكم على الأمور،وأوتي علما بمصائر الأحاديث أو بتأويل الرؤيا،أو بما هو أعم،من العلم بالحياة وأحوالها،فاللفظ عام ويشمل الكثير.وكان ذلك جزاء إحسانه.إحسانه في الاعتقاد وإحسانه في السلوك: «وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» ..
وعندئذ تجيئه المحنة الثانية في حياته،وهي أشد وأعمق من المحنة الأولى.تجيئه وقد أوتي صحة الحكم وأوتي العلم - رحمة من اللّه - ليواجهها وينجو منها جزاء إحسانه الذي سجله اللّه له في قرآنه.