فهرس الكتاب

الصفحة 1185 من 4997

بطن مريم من النفخة التي يعبر عنها بقوله: «وَرُوحٌ مِنْهُ» ..وقد نفخ اللّه في طينة آدم من قبل من روحه.فكان «إنسانا» ..كما يقول اللّه تعالى: «إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ.فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ» ..وكذلك قال في قصة عيسى: «وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا» ..فالأمر له سابقة ..والروح هنا هو الروح هناك ..ولم يقل أحد من أهل الكتاب - وهم يؤمنون بقصة آدم والنفخة فيه من روح اللّه - إن آدم إله،ولا أقنوم من أقانيم الإله.كما قالوا عن عيسى مع تشابه الحال - من حيث قضية الروح والنفخة ومن حيث الخلقة كذلك.بل إن آدم خلق من غير أب وأم:وعيسى خلق مع وجود أم ..وكذلك قال اللّه: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ،ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» ..ويعجب الإنسان - وهو يرى وضوح القضية وبساطتها - من فعل الهوى ورواسب الوثنية التي عقدت قضية عيسى عليه السلام هذا التعقيد كله،في أذهان أجيال وأجيال وهي - كما يصورها القرآن - بسيطة بسيطة،وواضحة مكشوفة.

إن الذي وهب لآدم ..من غير أبوين ..حياة إنسانية متميزة عن حياة سائر الخلائق بنفخة من روحه،لهو الذي وهب عيسى ..من غير أب ..هذه الحياة الإنسانية كذلك ..وهذا الكلام البسيط الواضح أولى من تلك الأساطير التي لا تنتهي عن ألوهية المسيح،لمجرد أنه جاء من غير أب.وعن ألوهية الأقانيم الثلاثة كذلك! ..تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ.وَلا تَقُولُوا:ثَلاثَةٌ.انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ» ..وهذه الدعوة للإيمان باللّه ورسله - ومن بينهم عيسى بوصفه رسولا،ومحمد بوصفه خاتم النبيين - والانتهاء عن تلك الدعاوى والأساطير،تجيء في وقتها المناسب بعد هذا البيان الكاشف والتقرير المريح .. «إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ» ..تشهد بهذا وحدة الناموس ..ووحدة الخلق.ووحدة الطريقة:كن ..فيكون ..ويشهد بذلك العقل البشري ذاته.فالقضية في حدود إدراكه.فالعقل لا يتصور خالقا يشبه مخلوقاته،ولا ثلاثة في واحد.ولا واحدا في ثلاثة: «سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ» ..

والولادة امتداد للفاني ومحاولة للبقاء في صورة النسل ..واللّه الباقي غني عن الامتداد في صورة الفانين وكل ما في السماوات وما في الأرض ملك له سبحانه على استواء: «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» ..ويكفي البشر أن يرتبطوا كلهم باللّه ارتباط العبودية للمعبود وهو يرعاهم أجمعين،ولا حاجة لافتراض قرابة بينهم وبينه عن طريق ابن له منهم!

فالصلة قائمة بالرعاية والكلاءة: «وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا» وهكذا لا يكتفي القرآن ببيان الحقية وتقريرها في شأن العقيدة.إنما يضيف إليها إراحة شعور الناس من ناحية رعاية اللّه لهم وقيامه - سبحانه - عليهم وعلى حوائجهم ومصالحهم ليكلوا إليه أمرهم كله في طمأنينة ..

الدرس الثاني:172 الألوهية لله والعبودية بغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت