وعَنْ أَبِي حَرَّةَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ" [1]
ولأن الآية آية تشريع،فإننا نلحظ فيها دقة الأداء اللفظي والترتيب الموضوعي،والصياغة التي لا تدع مجالا للشك والغموض.كما نلمح فيها ترتيب القرابات.فهي تبدأ ببيوت الأبناء والأزواج ولا تذكرهم.
بل تقول الآية: «مِنْ بُيُوتِكُمْ» فيدخل فيها بيت الابن وبيت الزوج،فبيت الابن بيت لأبيه،وبيت الزوج بيت لزوجته،وتليها بيوت الآباء،فبيوت الأمهات.فبيوت الإخوة،فبيوت الأخوات.فبيوت الأعمام،فبيوت العمات.فبيوت الأخوال،فبيوت الخالات ..ويضاف إلى هذه القرابات الخازن على مال الرجل فله أن يأكل مما يملك مفاتحه بالمعروف ولا يزيد على حاجة طعامه.ويلحق بها بيوت الأصدقاء.ليلحق صلتهم بصلة القرابة.عند عدم التأذي والضرر.فقد يسر الأصدقاء أن يأكل أصدقاؤهم من طعامهم بدون استئذان.
فإذا انتهى من بيان البيوت التي يجوز الأكل منها،بين الحالة التي يجوز عليها الأكل: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا» فقد كان من عادات بعضهم في الجاهلية ألا يأكل طعاما على انفراد،فإن لم يجد من يؤاكله عاف الطعام! فرفع اللّه هذا الحرج المتكلف،ورد الأمر إلى بساطته بلا تعقيد،وأباح أن يأكلوا أفرادا أو جماعات.
فإذا انتهى من بيان الحالة التي يكون عليها الأكل ذكر آداب دخول البيوت التي يؤكل فيها: «فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً» ..وهو تعبير لطيف عن قوة الرابطة بين المذكورين في الآية.فالذي يسلم منهم على قريبه أو صديقه يسلم على نفسه.والتحية التي يلقيها عليه هي تحية من عند اللّه.تحمل ذلك الروح،وتفوح بذلك العطر.وتربط بينهم بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ..
وهكذا ترتبط قلوب المؤمنين بربهم في الصغيرة والكبيرة: «كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» ..وتدركون ما في المنهج الإلهي من حكمة ومن تقدير ..
وينتقل من تنظيم العلاقات بين الأقارب والأصدقاء،إلى تنظيمها بين الأسرة الكبيرة ..أسرة المسلمين ..ورئيسها وقائدها محمد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وإلى آداب المسلمين في مجلس الرسول:« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ
(1) - شعب الإيمان [7 /346] (5105 ) صحيح لغيره