فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 4997

وأول خطوة في الطريق هي تميز الداعية وشعوره بالانعزال التام عن الجاهلية:تصورا ومنهجا وعملا.الانعزال الذي لا يسمح بالالتقاء في منتصف الطريق.والانفصال الذي يستحيل معه التعاون إلا إذا انتقل أهل الجاهلية من جاهليتهم بكليتهم إلى الإسلام.

لا ترقيع.ولا أنصاف حلول.ولا التقاء في منتصف الطريق ..مهما تزيت الجاهلية بزي الإسلام،أو ادعت هذا العنوان! وتميز هذه الصورة في شعور الداعية هو حجر الأساس.شعوره بأنه شيء آخر غير هؤلاء.لهم دينهم وله دينه،لهم طريقهم وله طريقه.لا يملك أن يسايرهم خطوة واحدة في طريقهم.ووظيفته أن يسيرهم في طريقه هو،بلا مداهنة ولا نزول عن قليل من دينه أو كثير! وإلا فهي البراءة الكاملة،والمفاصلة التامة،والحسم الصريح .. «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» ..

وما أحوج الداعين إلى الإسلام اليوم إلى هذه البراءة وهذه المفاصلة وهذا الحسم ..ما أحوجهم إلى الشعور بأنهم ينشئون الإسلام من جديد في بيئة جاهلية منحرفة،وفي أناس سبق لهم أن عرفوا العقيدة،ثم طال عليهم الأمد «فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» ..وأنه ليس هناك أنصاف حلول،ولا التقاء في منتصف الطريق،ولا إصلاح عيوب،ولا ترقيع مناهج ..إنما هي الدعوة إلى الإسلام كالدعوة إليه أول ما كان،الدعوة بين الجاهلية.والتميز الكامل عن الجاهلية .. «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» ..وهذا هو ديني:التوحيد الخالص الذي يتلقى تصوراته وقيمه،وعقيدته وشريعته ..كلها من اللّه ..دون شريك ..كلها ..في كل نواحي الحياة والسلوك.

وبغير هذه المفاصلة.سيبقى الغبش وتبقى المداهنة ويبقى اللبس ويبقى الترقيع ..والدعوة إلى الإسلام لا تقوم على هذه الأسس المدخولة الواهنة الضعيفة.إنها لا تقوم إلا على الحسم والصراحة والشجاعة والوضوح ..وهذا هو طريق الدعوة الأول: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» .. [1]

-تكلم عن المنهج الحركي لهذا الدين بشكل مفصل،ومن ذلك قوله رحمه الله:"هناك سمات أصيلة وعميقة في المنهج الحركي لهذا الدين،جديرة بالوقوف أمامها طويلا. ولكننا في هذه الظلال لا نملك إلا أن نشير إليها إشارات مجملة:"

السمة الأولى:هي الواقعية الجدية في منهج هذا الدين ..

فهو حركة تواجه واقعا بشريا .. وتواجهه بوسائل مكافئة لوجوده الواقعي .. إنها تواجه جاهلية اعتقادية تصورية تقوم عليها أنظمة واقعية عملية تسندها سلطات ذات قوة مادية .. ومن ثم تواجه الحركة الإسلامية هذا الواقع كله بما يكافئه .. تواجهه بالدعوة والبيان لتصحيح المعتقدات والتصورات وتواجهه بالقوة والجهاد لإزالة الأنظمة والسلطات القائمة عليها تلك التي تحول بين جمهرة الناس وبين التصحيح بالبيان للمعتقدات والتصورات وتخضعهم بالقهر والتضليل وتعبدهم لغير

(1) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [6 /3992]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت