حين يأمنون.إنهم «نسوا اللّه» فلا يحسبون إلا حساب الناس وحساب المصلحة،ولا يخشون إلا الأقوياء من الناس يذلون لهم ويدارونهم «فنسيهم» اللّه فلا وزن لهم ولا اعتبار .وإنهم لكذلك في الدنيا بين الناس،وإنهم لكذلك في الآخرة عند اللّه.وما يحسب الناس حسابا إلا للرجال الأقوياء الصرحاء،الذين يجهرون بآرائهم،ويقفون خلف عقائدهم،ويواجهون الدنيا بأفكارهم،ويحاربون أو يسالمون في وضح النهار.
أولئك ينسون الناس ليذكروا إله الناس،فلا يخشون في الحق لومة لائم،وأولئك يذكرهم اللّه فيذكرهم الناس ويحسبون حسابهم.
«إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ» ..فهم خارجون عن الإيمان،منحرفون عن الطريق،وقد وعدهم اللّه مصيرا كمصير الكفار: «وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها،هِيَ حَسْبُهُمْ» .وفيها كفايتهم وهي كفاء إجرامهم.
«وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ» ..فهم مطرودون من رحمته .. «وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ» ..
هذه الطبيعة الفاسقة المنحرفة الضالة،ليست جديدة،ففي تاريخ البشرية لها نظائر وأمثال.ولقد حوى تاريخ البشرية من قبل هؤلاء نماذج كثيرة من هذا الطراز.ولقد لاقى السابقون مصائر تليق بفسوقهم عن الفطرة المستقيمة والطريق القويمة،بعد ما استمتعوا بنصيبهم المقدر لهم في هذه الأرض.وكانوا أشد قوة وأكثر أموالا وأولادا فلم يغن عنهم من ذلك كله شيء.
والقرآن يذكر القوم بما كان من أسلافهم،ويبصرهم بأنهم يسلكون طريقهم،ويحذرهم أن يلاقوا مصيرهم.لعلهم يهتدون: «كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا،فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ.فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ،وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا.أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» .
إنها الفتنة بالقوة،والفتنة بالأموال والأولاد.فأما الذين اتصلت قلوبهم بالقوة الكبرى فهم لا يفتنون بالقوة العارضة التي تخول لهم في الأرض،لأنهم يخشون من هو أقوى،فينفقون قوتهم في طاعته وإعلاء كلمته.وهم لا يفتنون بالأموال والأولاد،لأنهم يذكرون من أنعم عليهم بالأموال والأولاد،فيحرصون على شكر نعمته،وتوجيه أموالهم وأولادهم إلى طاعته ..وأما الذين انحرفت قلوبهم عن مصدر القوة والنعمة فهم يبطرون ويفجرون في الأرض،ويتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام: «أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» ..وبطلت بطلانا أساسيا،لأنها كالنبتة بلا جذور،لا تستقر ولا تنمو ولا تزدهر. «وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» ..الذين خسروا كل شيء على وجه الإجمال بلا تحديد ولا تفصيل.