فهذا نموذج من نماذج كيد أبي لهب للدعوة وللرسول - صلى الله عليه وسلم - ،وكانت زوجته أم جميل في عونه في هذه الحملة الدائبة الظالمة. (وهي أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان) .
ولقد اتخذ أبو لهب موقفه هذا من رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - منذ اليوم الأول للدعوة.أخرج البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ إِلَى الْبَطْحَاءِ فَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ فَنَادَى « يَا صَبَاحَاهْ » .فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فَقَالَ « أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ،أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِى » .قَالُوا نَعَمْ .قَالَ « فَإِنِّى نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ » .فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا تَبًّا لَكَ .فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ ) إِلَى آخِرِهَا [1] .
وفي رواية عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَالَ:لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء] وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ.قَالَ:وَهُنَّ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ،خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى أَتَى الصَّفَا،فَصَعِدَ عَلَيْهَا،ثُمَّ نَادَى:يَا صَبَاحَاهُ،فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَبَيْنَ رَجُلٍ يَجِيءُ،وَبَيْنَ رَجُلٍ يَبْعَثُ رَسُولَهُ،فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -:يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ،يَا بَنِي فِهْرٍ،يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ،يَا بَنِي،يَا بَنِي أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَصَدَّقْتُمُونِي ؟ قَالُوا:نَعَمْ،قَالَ:فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ،فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ:تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ،أَمَا دَعَوْتُمُونَا إِلاَّ لِهَذَا،ثُمَّ قَامَ،فَنَزَلَتْ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد] ،وَقَدْ تُبَّ،وَقَالُوا:مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. [2] .
ولما أجمع بنو هاشم بقيادة أبي طالب على حماية النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو لم يكونوا على دينه،تلبية لدافع العصبية القبلية،خرج أبو لهب على إخوته،وحالف عليهم قريشا،وكان معهم في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعة بني هاشم وتجويعهم كي يسلموا لهم محمدا - صلى الله عليه وسلم - .
وكان قد خطب بنتي رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - رقية وأم كلثوم لولديه قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما كانت البعثة أمرهما بتطليقهما حتى يثقل كاهل محمد بهما! وهكذا مضى هو وزوجته أم جميل يثيرانها حربا شعواء على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى الدعوة،لا هوادة فيها ولا هدنة.وكان بيت أبي لهب قريبا من بيت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فكان الأذى أشد.وقد روي أن أم جميل كانت تحمل الشوك فتضعه في طريق النبي وقيل:إن حمل الحطب كناية عن سعيها بالأذى والفتنة والوقيعة.
نزلت هذه السورة ترد على هذه الحرب المعلنة من أبي لهب وامرأته.وتولى اللّه - سبحانه - عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - أمر المعركة!
(1) - صحيح البخارى- المكنز [16 /440] (4972 ) تب:خسر
(2) - صحيح البخارى- المكنز [15 /494] (4770 ) وصحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [14 /487] (6550)