فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 4997

الذي لا ضير منه،بل فيه حكمة وخير وفي الوقت ذاته يعول ويكفل ناسا هم أقرباؤه الأدنون،نعم،ولكنهم فريق من الأمة،إن لم يعطوا احتاجوا.وأخذهم من القريب أكرم لهم من أخذهم من البعيد.وفيه في الوقت ذاته إشاعة للحب والسلام في المحضن الأول وتوثيق لروابط الأسرة التي شاء اللّه أن تكون اللبنة الأولى في بناء الإنسانية الكبير.

ولقد علم اللّه أن الإنسان يمد حبه وحميته بعد ذلك إلى أهله كافة - بدرجاتهم منه وصلتهم به - ولا ضير في هذا.فهم أفراد من جسم الأمة وأعضاء في المجتمع.فسار به خطوة أخرى في الإنفاق وراء أهله الأقربين،تساير عواطفه وميوله الفطرية،وتقضي حاجة هؤلاء،وتقوّي أواصر الأسرة البعيدة،وتضمن وحدة قوية من وحدات الجماعة المسلمة،مترابطة العرى وثيقة الصلات.

وعند ما يفيض ما في يده عن هؤلاء وهؤلاء - بعد ذاته - فإن الإسلام يأخذ بيده لينفق على طوائف من المجموع البشري،يثيرون بضعفهم أو حرج موقفهم عاطفة النخوة وعاطفة الرحمة وعاطفة المشاركة ..وفي أولهم اليتامى الصغار الضعاف ثم المساكين الذين لا يجدون ما ينفقون،ولكنهم يسكتون فلا يسألون الناس كرامة وتجملا ثم أبناء السبيل الذين قد يكون لهم مال،ولكنهم انقطعوا عنه،وحالت بينهم وبينه الحوائل - وقد كانوا كثيرين في الجماعة المسلمة هاجروا من مكة تاركين وراءهم كل شيء - وهؤلاء جميعا أعضاء في المجتمع والإسلام يقود الواجدين إلى الإنفاق عليهم،يقودهم بمشاعرهم الطيبة الطبيعية التي يستجيشها ويزكيها.فيبلغ إلى أهدافه كلها في هوادة ولين.يبلغ أولا إلى تزكية نفوس المنفقين.فقد أنفقت طيبة بما أعطت،راضية بما بذلت،متجهة إلى اللّه في غير ضيق ولا تبرم.ويبلغ ثانيا إلى إعطاء هؤلاء المحتاجين وكفالتهم.ويبلغ ثالثا إلى حشد النفوس كلها متضامنة متكافلة،في غير ما تضرر ولا تبرم ..قيادة لطيفة مريجة بالغة ما تريد،محققة كل الخير بلا اعتساف ولا افتعال ولا تشديد! ثم يربط هذا كله بالأفق الأعلى،فيستجيش في القلب صلته باللّه فيما يعطي،وفيما يفعل،وفيما يضمر من نية أو شعور: « وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ» ..

عليم به،وعليم بباعثه،وعليم بالنية المصاحبة له ..وهو إذن لا يضيع.فهو في حساب اللّه الذي لا يضيع عنده شيء،والذي لا يبخس الناس شيئا ولا يظلمهم،والذي لا يجوز عليه كذلك الرياء والتمويه ..

بهذا يصل بالقلوب إلى الأفق الأعلى،وإلى درجة الصفاء والتجرد والخلوص للّه ..في رفق وفي هوادة،وفي غير معسفة ولا اصطناع ..وهذا هو المنهج التربوي الذي يضعه العليم الخبير.ويقيم عليه النظام الذي يأخذ بيد الإنسان،كما هو،ويبدأ به من حيث هو ثم ينتهي به إلى آماد وآفاق لا تصل إليها البشرية قط بغير هذه الوسيلة،ولم تبلغ إليها قط إلا حين سارت على هذا المنهج،في هذا الطريق.

الدرس الثاني:216 الجهاد تلك الفريضة الشاقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت