ولكن هذا الترتيب في الآية وفي الآيات الأخرى،والذي تزيده بعض الأحاديث النبوية تحديدا ووضوحا كالذي جاء في صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ قَالَ أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - .فَقَالَ « أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ » .فَقَالَ لاَ.فَقَالَ « مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّى » .فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِىُّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ « ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا فَإِنْ فَضَلَ شَىْءٌ فَلأَهْلِكَ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَىْءٌ فَلِذِى قَرَابَتِكَ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِى قَرَابَتِكَ شَىْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا » .يَقُولُ فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ. [1] .
هذا الترتيب يشي بمنهج الإسلام الحكيم البسيط في تربية النفس الإنسانية وقيادتها ..إنه يأخذ الإنسان كما هو،بفطرته وميوله الطبيعية واستعداداته ثم يسير به من حيث هو كائن،ومن حيث هو واقف! يسير به خطوة خطوة،صعدا في المرتقى العالي:على هينة وفي يسر فيصعد وهو مستريح،هو يلبي فطرته وميوله واستعداداته،وهو ينمي الحياة معه ويرقيها.لا يحس بالجهد والرهق،ولا يكبل بالسلاسل والأغلال ليجر في المرتقى! ولا تكبت طاقاته وميوله الفطرية ليحلق ويرف! ولا يعتسف به الطريق اعتسافا،ولا يطير به طيرانا من فوق الآكام! إنما يصعدها به صعودا هينا لينا وقدماه على الأرض وبصره معلق بالسماء،وقلبه يتطلع إلى الأفق الأعلى،وروحه موصولة باللّه في علاه.
ولقد علم اللّه أن الإنسان يحب ذاته فأمره أولا بكفايتها قبل أن يأمره بالإنفاق على من سواها وأباح له الطيبات من الرزق وحثه على تمتيع ذاته بها في غير ترف ولا مخيلة.فالصدقة لا تبدأ إلا بعد الكفاية. عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى،وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ » [2] ...
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىِّ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ فَخُذْهَا فَهِىَ صَدَقَةٌ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا.فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الأَيْمَنِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الأَيْسَرِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَحَذَفَهُ بِهَا فَلَوْ أَصَابَتْهُ لأَوْجَعَتْهُ أَوْ لَعَقَرَتْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « يَأْتِى أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ هَذِهِ صَدَقَةٌ ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى » [3] ...
ولقد علم اللّه أن الإنسان يحب - أول ما يحب - أفراد أسرته الأقربين ..عياله ..ووالديه.فسار به خطوة في الإنفاق وراء ذاته إلى هؤلاء الذين يحبهم ليعطيهم من ماله وهو راض فيرضي ميله الفطري
(1) - صحيح مسلم- المكنز [6 /297] (2360 )
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (1426)
(3) - سنن أبى داود - (1675 ) حسن
يستكف:يأخذ ببطن كفه أو يسأل كفا من الطعام أو ما يكف الجوع