وإذا كانت هناك أمم لا تستقيم على طريقة اللّه،ثم تنال الوفر والغنى،فإنها تعذب بآفات أخرى في إنسانيتها أو أمنها أو قيمة الإنسان وكرامته فيها،تسلب عن ذلك الغنى والوفر معنى الرخاء.وتحيل الحياة فيها لعنة مشؤومة على إنسانية الإنسان وخلقه وكرامته وأمنه وطمأنينته (كما سبق بيانه في سورة نوح) ..
والحقيقة الثانية التي تنبثق من نص هذه الآية:هي أن الرخاء ابتلاء من اللّه للعباد وفتنة.ونبلوكم بالشر والخير فتنة.والصبر على الرخاء والقيام بواجب الشكر عليه والإحسان فيه أشق وأندر من الصبر على الشدة! على عكس ما يلوح للنظرة العجلى ..فكثيرون هم الذين يصبرون على الشدة ويتماسكون لها بحكم ما تثيره في النفس من تجمع ويقظة ومقاومة ومن ذكر للّه والتجاء إليه واستعانة به،حين تسقط الأسناد في الشدة فلا يبقى إلا ستره.فأما الرخاء فينسي ويلهي،ويرخي الأعضاء وينيم عناصر المقاومة في النفس،ويهيئ الفرصة للغرور بالنعمة والاستنامة للشيطان! إن الابتلاء بالنعمة في حاجة ملحة إلى يقظة دائمة تعصم من الفتنة ..نعمة المال والرزق كثيرا ما تقود إلى فتنة البطر وقلة الشكر،مع السرف أو مع البخل،وكلاهما آفة للنفس والحياة ...ونعمة القوة كثيرا ما تقود إلى فتنة البطر وقلة الشكر مع الطغيان والجور،والتطاول بالقوة على الحق وعلى الناس،والتهجم على حرمات اللّه ..ونعمة الجمال كثيرا ما تقود إلى فتنة الخيلاء والتيه وتتردى في مدارك الإثم والغواية ..ونعمة الذكاء كثيرا ما تقود إلى فتنة الغرور والاستخفاف بالآخرين وبالقيم والموازين ..وما تكاد تخلو نعمة من الفتنة إلا من ذكر اللّه فعصمه اللّه ..
والحقيقة الثالثة أن الإعراض عن ذكر اللّه،الذي قد تنتهي إليه فتنة الابتلاء بالرخاء،مؤد إلى عذاب اللّه.والنص يذكر صفة للعذاب «يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا» ..توحي بالمشقة مذكان الذي يصعد في المرتفع يجد مشقة في التصعيد كلما تصعد.وقد درج القرآن على الرمز للمشقة بالتصعيد.فجاء في موضع: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) } [الأنعام:125] وجاء في موضع: {كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) } [المدثر:16، 17] وهي حقيقة مادية معروفة.والتقابل واضح بين الفتنة بالرخاء وبين العذاب الشاق عند الجزاء!
والآية الثالثة في السياق يجوز أن تكون حكاية لقول الجن،ويجوز أن تكون من كلام اللّه ابتداء:
«وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا» ..وهي في الحالتين توحي بأن السجود - أو مواضع السجود وهي المساجد - لا تكون إلا للّه،فهناك يكون التوحيد الخالص،ويتوارى كل ظل لكل أحد،ولكل قيمة،ولكل اعتبار.وينفرد الجو ويتمحض للعبودية الخالصة للّه.ودعاء غير اللّه قد يكون بعبادة غيره وقد يكون بالالتجاء إلى سواه وقد يكون باستحضار القلب لأحد غير اللّه.