وأي إنسان يمكنه أن يدعي أنه صنع شيئا في هذه العجيبة سوى الحرث وإلقاء البذور التي صنعها اللّه؟ ثم يقول الناس:زرعنا!! وهم لم يتجاوزوا الحرث وإلقاء البذور.أما القصة العجيبة التي تمثلها كل حبة وكل بذرة.وأما الخارقة التي تنبت من قلبها وتنمو وترتفع فكلها من صنع الخالق الزارع.ولو شاء لم تبدأ رحلتها.
ولو شاء لم تتم قصتها.ولو شاء لجعلها حطاما قبل أن تؤتي ثمارها.وهي بمشيئته تقطع رحلتها من البدء إلى الختام! ولو وقع هذا لظل الناس يلونون الحديث وينوعونه يقولون: «إِنَّا لَمُغْرَمُونَ» :غارمون «بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ» ..
ولكن فضل اللّه يمنحهم الثمر،ويسمح للنبتة أن تتم دورتها،وتكمل رحلتها،وهي ذاتها الرحلة التي تقوم بها الخلية التي تمنى ..وهي صورة من صور الحياة التي تنشئها القدرة وترعاها.
فماذا في النشأة الأخرى من غرابة.وهذه هي النشأة الأولى؟ ..
«أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ؟ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ؟ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا.فَلَوْلا تَشْكُرُونَ» ! وهذا الماء أصل الحياة،وعنصرها الذي لا تنشأ إلا به كما قدر اللّه.ما دور الإنسان فيه؟ دوره أنه يشربه.
أما الذي أنشأه من عناصره،وأما الذي أنزله من سحائبه،فهو اللّه سبحانه.وهو الذي قدر أن يكون عذبا فكان «لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا» .مالحا لا يستساغ،ولا ينشئ حياة.فهلا يشكرون فضل اللّه الذي أجرى مشيئته بما كان؟
والمخاطبون ابتداء بهذا القرآن كان الماء النازل من السحائب،في صورته المباشرة،مادة حياتهم،وموضع احتفالهم،والحديث الذي يهز نفوسهم،وقد خلدته قصائدهم وأشعارهم ..ولم تنقص قيمة الماء بتقدم الإنسان الحضاري،بل لعلها تضاعفت.والذين يشتغلون بالعلم ويحاولون تفسير نشأة الماء الأولى أشد شعورا بقيمة هذا الحدث من سواهم.فهو مادة اهتمام للبدائي في الصحراء،وللعالم المشتغل بالأبحاث سواء.
الدرس الخامس:71 - 73 الله ينشئ الأشجار والثمار
«أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ؟ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ؟ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ» ..ولقد كان كشف الإنسان للنار حادثا عظيما في حياته.ربما كان أعظم حادث بدأت منه حضارته.ولكنها أصبحت أمرا مألوفا لا يثير الاهتمام ..والإنسان يوري النار:أي يوقدها.ولكن من الذي أنشأ وقودها؟