فهرس الكتاب

الصفحة 891 من 4997

هذا الشوط الأول في السورة يبدأ بآية الافتتاح , التي ترد"الناس"إلى رب واحد , وخالق واحد ; كما تردهم إلى أصل واحد , وأسرة واحدة , وتجعل وحدة الإنسانية هي"النفس"ووحدة المجتمع هي الأسرة , وتستجيش في النفس تقوى الرب , ورعاية الرحم ..لتقيم على هذا الأصل الكبير كل تكاليف التكافل والتراحم في الأسرة الواحدة , ثم في الإنسانية الواحدة .وترد إليه سائر التنظيمات والتشريعات التي تتضمنها السورة .

وهذا الشوط يضم من تلك التكاليف ومن هذه التشريعات , ما يتعلق بالضعاف في الأسرة وفي الإنسانية من اليتامى , وتنظم طريقة القيام عليهم وعلى أموالهم كما تنظم طريقة انتقال الميراث بين أفراد الأسرة الواحدة , وأنصباء الأقرباء المتعددي الطبقات والجهات , في الحالات المتعددة ..وهي ترد هذا كله إلى الأصل الكبير الذي تضمنته آية الافتتاح , مع التذكير بهذا الأصل في مطالع بعض الآيات أو في ثناياها , أو في خواتيمها , توثيقا للارتباط بين هذه التنظيمات والتشريعات , وبين الأصل الذي تنبثق منه , وهو الربوبية , التي لها حق التشريع والتنظيم , هذا الحق الذي منه وحده ينبثق كل تشريع وكل تنظيم.

الدرس الأول:1 تذكير الإنسانية بأصلها الواحد

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1) ..

إنه الخطاب"للناس"..بصفتهم هذه , لردهم جميعا إلى ربهم الذي خلقهم ..والذي خلقهم (من نفس واحدة) .. (وخلق منها زوجها .وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) ..

إن هذه الحقائق الفطرية البسيطة لهي حقائق كبيرة جدا , وعميقة جدا , وثقيلة جدا ..ولو القى"الناس"أسماعهم وقلوبهم إليها لكانت كفيلة بإحداث تغييرات ضخمة في حياتهم وبنقلهم من الجاهلية - أو من الجاهليات المختلفة - إلى الإيمان والرشد والهدى , وإلى الحضارة الحقيقية اللائقة"بالناس"و"بالنفس"واللائقة بالخلق الذي ربه وخالقه هو الله ..

إن هذه الحقائق تجلو للقلب والعين مجالا فسيحا لتأملات شتى:

1 -إنها أبتداء تذكر"الناس"بمصدرهم الذي صدروا عنه ; وتردهم إلى خالقهم الذي أنشأهم في هذه الأرض ..هذه الحقيقة التي ينساها"الناس"فينسون كل شيء ! ولا يستقيم لهم بعدها أمر !

إن الناس جاءوا إلى هذا العالم بعد أن لم يكونوا فيه ..فمن الذي جاء بهم ? أنهم لم يجيئوا إليه بإرادتهم .فقد كانوا - قبل أن يجيئوا - عدما لا إرادة له ..لا إرادة له تقرر المجيء أو عدم المجيء .فإرادة أخرى - إذن - غير إرادتهم , هي التي جاءت بهم إلى هنا ..إرادة أخرى - غير إرادتهم - هي التي قررت أن تخلقهم .إرادة أخرى - غير إرادتهم - هي التي رسمت لهم الطريق , وهي التي اختارت لهم خط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت