فهرس الكتاب

الصفحة 513 من 4997

الدرس الرابع:249 - 251 المعركة وقتل داود لجالوت

ثم أعد طالوت جيشه ممن لم يتولوا عن فريضة الجهاد،ولم ينكصوا عن عهدهم مع نبيهم من أول الطريق ..والسياق القرآني على طريقته في سياقة القصص [1] يترك هنا فجوة بين المشهدين.فيعرض المشهد التالي مباشرة وطالوت خارج بالجنود: «فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ:إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ.فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي،وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي - إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ.فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ» ..

هنا يتجلى لنا مصداق حكمة اللّه في اصطفاء هذا الرجل ..إنه مقدم على معركة ومعه جيش من أمة مغلوبة،عرفت الهزيمة والذل في تاريخها مرة بعد مرة.وهو يواجه جيش أمة غالبة فلا بد إذن من قوة كامنة في ضمير الجيش تقف به أمام القوة الظاهرة الغالبة.هذه القوة الكامنة لا تكون إلا في الإرادة.الإرادة التي تضبط الشهوات والنزوات،وتصمد للحرمان والمشاق،وتستعلي على الضرورات والحاجات،وتؤثر الطاعة وتحتمل تكاليفها،فتجتاز الابتلاء بعد الابتلاء ..فلا بد للقائد المختار إذن أن يبلو إرادة جيشه،وصموده وصبره:صموده أولا للرغبات والشهوات،وصبره ثانيا على الحرمان والمتاعب ..واختار هذه التجربة وهم كما تقول الروايات عطاش.ليعلم من يصبر معه ممن ينقلب على عقبيه،ويؤثر العافية ..وصحت فراسته: «فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ» ..

شربوا وارتووا.فقد كان أباح لهم أن يغترف منهم من يريد غرفة بيده،تبل الظمأ ولكنها لا تشي بالرغبة في التخلف! وانفصلوا عنه بمجرد استسلامهم ونكوصهم.انفصلوا عنه لأنهم لا يصلحون للمهمة الملقاة على عاتقه وعاتقهم.وكان من الخير ومن الحزم أن ينفصلوا عن الجيش الزاحف،لأنهم بذرة ضعف وخذلان وهزيمة.والجيوش ليست بالعدد الضخم،ولكن بالقلب الصامد،والإرادة الجازمة،والإيمان الثابت المستقيم على الطريق.

ودلت هذه التجربة على أن النية الكامنة وحدها لا تكفي ولا بد من التجربة العملية،ومواجهة واقع الطريق إلى المعركة قبل الدخول فيها.ودلت كذلك على صلابة عود القائد المختار الذي لم يهزه تخلف الأكثرية من جنده عند التجربة الأولى ..بل مضى في طريقه.

وهنا كانت التجربة قد غربلت جيش طالوت - إلى حد - ولكن التجارب لم تكن قد انتهت بعد:

«فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا:لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ» ..

لقد صاروا قلة.وهم يعلمون قوة عدوهم وكثرته:بقيادة جالوت.إنهم مؤمنون لم ينكصوا عن عهدهم مع نبيهم.ولكنهم هنا أمام الواقع الذي يرونه بأعينهم فيحسون أنهم أضعف من مواجهته.إنها التجربة الحاسمة.تجربة الاعتزاز بقوة أخرى أكبر من قوة الواقع المنظور.وهذه لا يصمد لها إلا من اكتمل

(1) - يراجع فصل:القصة في القرآن.في كتاب: «التصوير الفني في القرآن» . (دار الشروق) ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت