ففي هذا المطلع ثلاث جمل موسيقية منوعة - مع اتحاد الإيقاع في نهاياتها - من حيث الطول ومن حيث الإيقاعات الجزئية فيها على النحو التالي: «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ.لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ.مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ.تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ.فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا» ..حيث تنتهي بمد الألف في الإيقاع الخامس.
«إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا.وَنَراهُ قَرِيبًا» ..حيث يتكرر الإيقاع بمد الألف مرتين.
«يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ.وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ.وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا» ..حيث تنتهي بمد الألف في الإيقاع الثالث.مع تنوع الإيقاع في الداخل. « يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ.وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ.وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ.وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ.كَلَّا إِنَّها لَظى » ..حيث ينتهي بمد الألف في الإيقاع الخامس كالأول. «نَزَّاعَةً لِلشَّوى ..تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى.وَجَمَعَ فَأَوْعى .إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا.إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا.وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا» ..حيث يتكرر إيقاع المد بالألف خمس مرات منهما اثنتان في النهاية تختلفان عن الثلاثة الأولى.
ثم يستقيم الإيقاع في باقي السورة على الميم والنون وقبلهما واو أو ياء ..والتنويع الإيقاعي في مطلع السورة عميق وشديد التعقيد في الصياغة الموسيقية بشكل يلفت الأذن الموسيقية إلى ما في هذا التنويع المعقد الراقي - موسيقيا - من جمال غريب على البيئة العربية وعلى الإيقاع الموسيقي العربي.
ولكن الأسلوب القرآني يطوعه ويمنحه اليسر الذي يدخل به إلى الأذن العربية فتقبل عليه،وإن كان فنا إبداعيا عميقا جديدا على مألوفها الموسيقي [1] .
والآن نستعرض السورة تفصيلا ...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (1) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَراهُ قَرِيبًا (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) كَلاَّ إِنَّها لَظى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (16) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعى (18) إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ
(1) - الذين يعرفون شيئا عن الأصول الموسيقية لن يجدوا صعوبة في فهم مدلول هذا الكلام. ولتقريبه للآخرين يراجع فصل:التناسق الفني في كتاب:التصوير الفني في القرآن «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )