وفي روايات أخرى أنهم قالوا عن أبي عقيل،وهو الذي بات يعمل ليحصل على صاعين أجرا له،جاء بأحدهما لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إنه إنما أراد أن يذكر بنفسه!
وهكذا تقولوا على المؤمنين الذين انبعثوا إلى الصدقة عن طواعية نفس،ورضا قلب،واطمئنان ضمير،ورغبة في المساهمة في الجهاد كل على قدر طاقته،وكل على غاية جهده.ذلك أنهم لا يدركون بواعث هذا التطوع في النفوس المؤمنة.لا يدركون حساسية الضمير التي لا تهدأ إلا بالبذل عن طيب خاطر.لا يدركون المشاعر الرفرافة التي تنبعث انبعاثا ذاتيا،لتلبي دواعي الإيمان والتضحية والمشاركة.من أجل هذا يقولون عن المكثر:إنه يبذل رياء،وعن المقل! إنه يذكر بنفسه،يجرحون صاحب الكثير لأنه يبذل كثيرا،ويحتقرون صاحب القليل لأنه يبذل القليل.فلا يسلم من تجريحهم وعيبهم أحد من الخيرين.ذلك وهم قاعدون متخلفون منقبضو الأيدي شحيحو الأنفس،لا ينفقون إلا رياء،ولا يدركون من بواعث النفوس إلا مثل هذا الباعث الصغير الحقير.
ومن ثم يجبههم الرد الحاسم الجازم: «سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» ..
ويا لهولها سخرية.ويا لهولها عاقبة.فمن شرذمة صغيرة هزيلة من البشر الضعاف الفانين وسخرية الخالق الجبار تنصب عليهم وعذابه يترقبهم؟! ألا إنه للهول المفزع الرهيب!
«اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ،إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ،ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ،وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» ..
هؤلاء المنافقون الذين يلمزون المتطوعين بالصدقات على هذا النحو،قد تقرر مصيرهم،فما عاد يتبدل: «فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ» .لن يجديهم استغفار،فإنه وعدم الاستغفار لهم سواء.
ويبدو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يستغفر للمخطئين عسى أن يتوب اللّه عليهم.فأما هؤلاء فقد أخبر بأن مصيرهم قد تقرر،فلا رجعة فيه: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» .. «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» ..أولئك الذين انحرفوا عن الطريق فلم تعد ترجى لهم أوبة.وفسدت قلوبهم فلم يعد يرجى لها صلاح ..
«إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ» ..والسبعون تذكر عادة للتكثير،لا على أنها رقم محدد.والمعنى العام أن لا رجاء لهم في مغفرة،لأنه لا سبيل لهم إلى توبة.والقلب البشري حين يصل إلى حد معين من الفساد لا يصلح،والضلال حين ينتهي إلى أمد معين لا يرجى بعده اهتداء.واللّه أعلم بالقلوب.
وينتقل السياق - مرة أخرى - إلى الحديث عن المتخلفين عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك:« فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ،وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،وَقالُوا:لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ.قُلْ:نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ.فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا