جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ:لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا.إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ.وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ،إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ.وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ،إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا،وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ» ..
هؤلاء الذين أدركتهم ثقلة الأرض.ثقلة الحرص على الراحة،والشح بالنفقة.وقعد بهم ضعف الهمة وهزال النخوة،وخواء القلب من الإيمان ..هؤلاء المخلفون - والتعبير يلقي ظل الإهمال كما لو كانوا متاعا يخلف أو هملا يترك - فرحوا بالسلامة والراحة «خلاف رسول اللّه» وتركوا المجاهدين يلاقون الحر والجهد،وحسبوا أن السلامة غاية يحرص عليها الرجال! «وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ..
«وَقالُوا:لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ» وهي قولة المسترخي الناعم الذي لا يصلح لشيء مما يصلح له الرجال.
إن هؤلاء لهم نموذج لضعف الهمة،وطراوة الإرادة وكثيرون هم الذين يشفقون من المتاعب،وينفرون من الجهد،ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم،ويفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز.
وهم يتساقطون إعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات.ولكن هذه الصفوف تظل في طريقها المملوء بالعقبات والأشواك،لأنها تدرك بفطرتها أن كفاح العقبات والأشواك فطرة في الإنسان،وأنه ألذ وأجمل من القعود والتخلف والراحة البليدة التي لا تليق بالرجال.
والنص يرد عليهم بالتهكم المنطوي على الحقيقة: «وَقالُوا:لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ.قُلْ:نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ» .
فإن كانوا يشفقون من حر الأرض،ويؤثرون الراحة المسترخية في الظلال.فكيف بهم في حر جهنم وهي أشد حرا،وأطول أمدا؟ وإنها لسخرية مريرة،ولكنها كذلك حقيقة.فإما كفاح في سبيل اللّه فترة محدودة في حر الأرض،وإما انطراح في جهنم لا يعلم مداه إلا اللّه: «فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» ..
وإنه لضحك في هذه الأرض وأيامها المعدودة،وإنه لبكاء في أيام الآخرة الطويلة.وإن يوما عند ربك كألف سنة مما يعدون.
«جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» ..فهو الجزاء من جنس العمل،وهو الجزاء العادل الدقيق.
هؤلاء الذين آثروا الراحة على الجهد - في ساعة العسرة - وتخلفوا عن الركب في أول مرة.هؤلاء لا يصلحون لكفاح،ولا يرجون لجهاد،ولا يجوز أن يؤخذوا بالسماحة والتغاضي،ولا أن يتاح لهم شرف الجهاد الذي تخلوا عنه راضين: «فَإِنْرَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ،فَقُلْ:لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا،إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ،فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ»