مكانا للارتفاق والاتكاء.وفي ذكر الارتفاق في سرادق النار تهكم مرير.فما هم هنالك للارتفاق،إنما هم للاشتواء! ولكنها مقابلة مع ارتفاق الذين آمنوا وعملوا الصالحات هنالك في الجنان ..وشتان شتان! وبينما هؤلاء كذلك إذا الذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات عدن.للإقامة.تجري من تحتهم الأنهار بالري وبهجة المنظر واعتدال النسيم.وهم هنالك للارتفاق حقا «مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ» وهم رافلون في ألوان من الحرير.من سندس ناعم خفيف ومن إستبرق مخمل كثيف.تزيد عليها أساور من ذهب للزينة والمتاع: «نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا» ! ومن شاء فليختر.ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.ومن شاء فليجالس فقراء المؤمنين،وجبابهم تفوح منها رائحة العرق أو فلينفر.فمن لم ترضه رائحة العرق من تلك الجباب،التي تضم القلوب الزكية بذكر اللّه،فليرتفق في سرادق النار،وليهنأ بدردي الزيت أو القيح يغاث به من النار .
ثم تجيء قصة الرجلين والجنتين تضرب مثلا للقيم الزائلة والقيم الباقية،وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة،والنفس المعتزة باللّه.وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس:صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري،تذهله الثروة،وتبطره النعمة،فينسى القوة الكبر التي تسيطر على أقدار الناس والحياة.
ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى،فلن تخذله القوة ولا الجاه.وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه،الذاكر لربه،يرى النعمة دليلا على المنعم،موجبة لحمده وذكره،لا لجحوده وكفره.
وتبدأ القصة بمشهد الجنتين في ازدهار وفخامة: «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ،وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ،وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا.كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا،وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا.وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ» ..
فهما جنتان مثمرتان من الكروم،محفوفتان بسياج من النخيل،تتوسطهما الزروع،ويتفجر بينهما نهر ..إنه المنظر البهيج والحيوية الدافقة والمتاع والمال: «كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا» ..ويختار التعبير كلمة «تَظْلِمْ» في معنى تنقص وتمنع،لتقابل بين الجنتين وصاحبهما الذي ظلم نفسه فبطر ولم يشكر،وازدهى وتكبر.
وها هو ذا صاحب الجنتين تمتلىء نفسه بهما،ويزدهيه النظر إليهما،فيحس بالزهو،وينتفش كالديك،ويختال كالطاووس،ويتعالى على صاحبه الفقير: «فَقالَ لِصاحِبِهِ - وَهُوَ يُحاوِرُهُ - أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا» ..
ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين،وملء نفسه البطر،وملء جنبه الغرور وقد نسي اللّه،ونسي أن يشكره على ما أعطاه وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبدا،أنكر قيام الساعة أصلا،وهبها قامت فسيجد هنالك الرعاية والإيثار! أليس من أصحاب الجنان في الدنيا فلا بد أن يكون جنابه ملحوظا في