فهرس الكتاب
ونرى طريقة المنهج القرآني الرباني في التعامل مع النفس البشرية في قوتها وضعفها وفي التعامل مع الجماعة الإنسانية في أثناء تكوينها وإنضاجها.ونرى شتى الخيوط التي يشدها منها في الوقت الواحد وفي الآية الواحدة ..
ونرى - على الأخص - كيف يملأ مشاعر الجماعة المسلمة بالتفوق على عدوها،في الوقت الذي يملأ نفوسها بالحذر واليقظة والتهيؤ الدائم للخطر،وفي الوقت الذي يدلها كذلك على مواطن الضعف فيها،ومواضع التقصير،ويحذرها إياها أشد التحذير.
إنه منهج عجيب في تكامله وفي تقابله مع النفس البشرية وفي عدد الأوتار التي يلمسها في اللمسة الواحدة ،وعدد الخيوط التي يشدها في هذه النفس،فتصوت كلها وتستجيب!
لقد كان التفوق في منهج التربية،والتفوق في التنظيم الاجتماعي الذي قام عليه هو الأمر البارز الظاهر فيما بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات حوله من فروق ..ولقد كان هذا التفوق البارز هو كذلك أوضح الأسباب - التي يراها البشر - لتمكن هذا المجتمع الناشئ الشاب - بكل ما كان في حياته من ملابسات ومن ضعف أحيانا وتقصير - من طي تلك المجتمعات الأخرى،والغلبة عليها.لا غلبة معركة بالسلاح فحسب ولكن غلبة حضارة فتية على حضارات شاخت.غلبة منهج على مناهج،ونموذج من الحياة على نماذج ومولد عصر جديد على مولد إنسان جديد ..
ونكتفي بهذا القدر حتى نواجه النصوص بالتفصيل:
« لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ - وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ.فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً،وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى .وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا.دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً.وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» ..
إن هذا النص القرآني كان يواجه حالة خاصة في المجتمع المسلم وما حوله وكان يعالج حالة خاصة في هذا المجتمع من التراخي - من بعض عناصره - في النهوض بتكاليف الجهاد بالأموال والأنفس.سواء كان المقصود أولئك الذين تخلفوا عن الهجرة احتفاظا بأموالهم،إذ لم يكن المشركون يسمحون لمهاجر أن يحمل معه شيئا من ماله أو توفيرا لعناء الهجرة وما فيها من مخاطر،إذ لم يكن المشركون يتركون المسلمين يهاجرون،وكثيرا ما كانوا يحبسونهم ويؤذونهم - أو يزيدون في إيذائهم بتعبير أدق - إذا عرفوا منهم نية الهجرة ..سواء كان المقصود هم أولئك الذين تخلفوا عن الهجرة - وهو ما نرجحه - أو كان المقصود بعض المسلمين في دار الإسلام،الذين لم ينشطوا للجهاد بالأموال والأنفس - من غير المنافقين المبطئين الذين ورد ذكرهم في درس سابق - أو كان المقصود هؤلاء وهؤلاء ممن لم ينشطوا للجهاد بالأموال والأنفس في دار الحرب ودار الإسلام سواء.