ومن ثم لمحة عابرة من الحشر في مشهد جديد،إلى تخويف من المفاجأة بالعذاب في صورة موحية للحس بالتوجس،إلى تصوير علم اللّه الشامل الذي لا يند عنه شيء، إلى بعض آيات اللّه في الكون،إلى الإنذار بما ينتظر المفترين على اللّه يوم الحساب ..
إنها جملة من اللمسات العميقة الصادقة،لا تملك فطرة سليمة التلقي،صحيحة الاستجابة،ألا تستجيب لها،وألا تتذاوب الحواجز والموانع فيها دون هذا الفيض من المؤثرات المستمدة من الحقائق الواقعة،ومن فطرة الكون وفطرة النفس وطبائع الوجود ..
لقد كان الكفار صادقين في إحساسهم بخطر القرآن على صفوفهم وهم يتناهون عن الاستماع إليه خيفة أن يجرفهم تأثيره ويزلزل قلوبهم! وهم يريدون أن يظلوا على الشرك صامدين!
«لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ،وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ،أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ،ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ،كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا،أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» ..
كانت آخر آية في الدرس السابق: «وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ..
فهنا يبين عن قواعد الجزاء للمهتدين ولغير المهتدين.ويكشف عن رحمة اللّه وفضله،وعن قسطه وعدله في جزاء هؤلاء وهؤلاء.
فأما الذين أحسنوا.أحسنوا الاعتقاد،وأحسنوا العمل،وأحسنوا معرفة الصراط المستقيم،وإدراك القانون الكوني المؤدي إلى دار السلام ..فأما هؤلاء فلهم الحسنى جزاء ما أحسنوا،وعليها زيادة من فضل اللّه غير محدودة: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ» ..
وهم ناجون من كربات يوم الحشر،ومن أهوال الموقف قبل أن يفصل في أمر الخلق: «وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ» ..
والقتر:الغبار والسواد وكدرة اللون من الحزن أو الضيق.والذلة:الانكسار والمهانة أو الإهانة.فلا يغشى وجوههم قتر ولا تكسو ملامحهم الذلة ..والتعبير يوحي بأن في الموقف من الزحام والهول والكرب والخوف والمهانة ما يخلع آثاره على الوجوه،فالنجاة من هذا كله غنيمة،وفضل من اللّه يضاف إلى الجزاء المزيد فيه ..
«أُولئِكَ» ..أصحاب هذه المنزلة العالية البعيدة الآفاق «أصحاب الجنة» وملاكها ورفاقها «هُمْ فِيها خالِدُونَ» . «وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ» ..فكانت هي الربح الذي خرجوا به من صفقة الحياة! هؤلاء ينالهم عدل اللّه،فلا يضاعف لهم الجزاء،ولا يزاد عليهم السوء.ولكن:جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها» ..«وَتَرْهَقُهُمْ