فهم الذين أرادوا لأنفسهم هذا المصير واختاروه.هم الذين عمدوا إلى ما أسخط اللّه من نفاق ومعصية وتآمر مع أعداء اللّه وأعداء دينه ورسوله فاتبعوه.وهم الذين كرهوا رضوان اللّه فلم يعملوا له،بل عملوا ما يسخط اللّه ويغضبه .. «فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» ..التي كانوا يعجبون بها ويتعاجبون ويحسبونها مهارة وبراعة وهم يتآمرون على المؤمنين ويكيدون.فإذا بهذه الأعمال تتضخم وتنتفخ.ثم تهلك وتضيع!
وفي نهاية الشوط يتهددهم بكشف أمرهم لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين،الذين يعيشون بينهم متخفين يتظاهرون بالإسلام وهم لهم كائدون: «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ؟ وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ،فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ،وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ،وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ.وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ» ..
ولقد كان المنافقون يعتمدون على إتقانهم فن النفاق،وعلى خفاء أمرهم في الغالب على المسلمين.فالقرآن يسفه ظنهم أن هذا الأمر سيظل خافيا،ويهدّدهم بكشف حالهم وإظهار أضغانهم وأحقادهم على المسلمين.ويقول لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ» ..أي لو نشاء لكشفنا لك عنهم بذواتهم وأشخاصهم،حتى لترى أحدهم فتعرفه من ملامحه (وكان هذا قبل أن يكشف اللّه له عن نفر منهم بأسمائهم) ومع ذلك فإن لهجتهم ونبرات صوتهم،وإمالتهم للقول عن استقامته،وانحراف منطقهم في خطابك سيدلك على نفاقهم: «وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ» ..ويعرج على علم اللّه الشامل بالأعمال وبواعثها: «وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ» ..فلا تخفى عليه منها خافية ..ثم وعد من اللّه بالابتلاء ..ابتلاء الأمة الإسلامية كلها،لينكشف المجاهدون والصابرون ويتميزوا وتصبح أخبارهم معروفة،ولا يقع الالتباس في الصفوف،ولا يبقى مجال لخفاء أمر المنافقين ولا أمر الضعاف والجزعين: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ،وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ» ..واللّه يعلم حقائق النفوس ومعادنها،ويطلع على خفاياها وخباياها،ويعلم ما يكون من أمرها علمه بما هو كائن فعلا.فما هذا الابتلاء ؟ ولمن يكون العلم من ورائه بما يتكشف عنه؟
إن اللّه - جلت حكمته - يأخذ البشر بما هو في طوقهم،وما هو من طبيعتهم واستعدادهم.وهم لا يعلمون عن الحقائق المستكنة ما يعلمه.فلا بد لهم من تكشف الحقائق ليدركوها ويعرفوها ويستيقنوها،ثم ينتفعوا بها.
والابتلاء بالسراء والضراء،وبالنعماء والبأساء،وبالسعة والضيق،وبالفرج والكرب ..كلها تكشف عما هو مخبوء من معادن النفوس،وما هو مجهول من أمرها حتى لأصحابها ..