فهرس الكتاب
وهكذا يتولى القرآن تربية النفوس وتهذيبها،وتعليمها الفسحة والسماحة والطاعة بأسلوب التشويق والاستجاشة.فالدين ليس بالتكاليف الحرفية،ولكنه تحول في الشعور،وحساسية في الضمير ..
كذلك يعلمهم القرآن أدبا آخر في علاقتهم برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فيبدو أنه كان هناك تزاحم على الخلوة برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ليحدثه كل فرد في شأن يخصه ويأخذ فيه توجيهه ورأيه أو ليستمتع بالانفراد به مع عدم التقدير لمهام رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - الجماعية وعدم الشعور بقيمة وقته،وبجدية الخلوة به،وأنها لا تكون إلا لأمر ذي بال.فشاء اللّه أن يشعرهم بهذه المعاني بتقرير ضريبة للجماعة من مال الذي يريد أن يخلو برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ويقتطع من وقته الذي هو من حق الجماعة.في صورة صدقة يقدمها قبل أن يطلب المناجاة والخلوة: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً.ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ.فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
وقد عمل بهذه الآية الإمام علي - كرم اللّه وجهه - فكان معه - كما روي عنه - دينار فصرفه دراهم.وكان كلما أراد خلوة برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لأمر تصدق بدرهم! ولكن الأمر شق على المسلمين.عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،قَالَ:لَمَّا نَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ} [المجادلة] صَدَقَةً،قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:مَا تَرَى دِينَارًا ؟ قُلْتُ:لاَ يُطِيقُونَهُ،قَالَ:فَكَمْ ؟ قُلْتُ:شَعِيرَةٌ،قَالَ:إِنَّكَ لَزَهِيدٌ،فَنَزَلَتْ {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} [المجادلة] الآيَةَ،قَالَ:فَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. [1]
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ،قَالَ:لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ} [المجادلة] الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً،قَالَ:قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِعَلِيٍّ:يَا عَلِيُّ،مُرْهُمْ أَنْ يَتَصَدَّقُوا،قَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ بِكَمْ ؟ قَالَ:بِدِينَارٍ،قَالَ:لاَ يُطِيقُونَهُ،قَالَ:فَبِنِصْفِ دِينَارٍ،قَالَ:لاَ يُطِيقُونَهُ،قَالَ:فَبِكَمْ ؟ قَالَ:بِشَعِيرَةٍ،قَالَ:فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِعَلِيٍّ:إِنَّكَ لَزَهِيدٌ،قَالَ:فَأَنْزَلَ اللَّهُ {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذَا لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ،قَالَ:فَكَانَ عَلِيٌّ،يَقُولُ:بِي خُفِّفَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. [2]
وعلم اللّه ذلك منهم.وكان الأمر قد أدى غايته،وأشعرهم بقيمة الخلوة التي يطلبونها.فخفف اللّه عنهم ونزلت الآية التالية برفع هذا التكليف وتوجيههم إلى العبادات والطاعات المصلحة للقلوب: «أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ؟ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» ..
(1) - صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [15 /390] (6941) حسن
(2) - صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [15 /391] (6942) وتفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [23 /248] حسن