فهرس الكتاب

الصفحة 4345 من 4997

وإذا صحت هذه الرواية فإنها لا تتنافى مع الأحاديث الأخرى التي تنهى عن أن يقيم الرجل الرجل من مكانه ليجلس فيه.كما جاء في الصحيح عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ،ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ » [1] . ..

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:لاَ يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ فَيَجْلِسَ فِيهِ،وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا. [2]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:لاَ يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ،وَلَكِنْ افْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ. [3]

وما ورد كذلك من ضرورة استقرار القادم حيث انتهى به المجلس.فلا يتخطى رقاب الناس ليأخذ مكانا في الصدر! فالآية تحض على الإفساح للقادم ليجلس،كما تحض على إطاعة الأمر إذا قيل الجالس أن يرفع فيرفع.وهذا الأمر يجيء من القائد المسئول عن تنظيم الجماعة.لا من القادم.

والغرض هو إيجاد الفسحة في النفس قبل إيجاد الفسحة في المكان.ومتى رحب القلب اتسع وتسامح،واستقبل الجالس إخوانه بالحب والسماحة،فأفسح لهم في المكان عن رضى وارتياح.فأما إذا رأى القائد أن هناك اعتبارا من الاعتبارات يقتضي إخلاء المكان فالطاعة يجب أن ترعى عن طواعية نفس ورضى خاطر وطمأنينة بال.مع بقاء القواعد الكلية مرعية كذلك،من عدم تخطي الرقاب أو إقامة الرجل للرجل ليأخذ مكانه.

وإنما هي السماحة والنظام يقررهما الإسلام.والأدب الواجب في كل حال.

وعلى طريقة القرآن في استجاشة الشعور عند كل تكليف،فإنه يعد المفسحين في المجالس بفسحة من اللّه لهم وسعة: «فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ» ..ويعد الناشزين الذين يرفعون من المكان ويخلونه عن طاعة لأمر الرسول برفعة في المقام: «وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ» ..وذلك جزاء تواضعهم وقيامهم عند تلقي الأمر بالقيام.

وقد كانت المناسبة مناسبة قرب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لتلقي العلم في مجلسه.فالآية تعلمهم:أن الإيمان الذي يدفع إلى فسحة الصدر وطاعة الأمر،والعلم الذي يهذب القلب فيتسع ويطيع يؤديان إلى الرفعة عند اللّه درجات.وفي هذا مقابل لرفعة المكان الذي تطوعوا بتركه ورفعوا عنه لاعتبار رآه الرسول - صلى الله عليه وسلم - «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» ..فهو يجزي به عن علم ومعرفة بحقيقة ما تعملون،وبما وراءه من شعور مكنون.

(1) - صحيح البخارى- المكنز [21 /21] 6269

(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) [2 /256] (4659) صحيح

(3) - مسند أحمد (عالم الكتب) [3 /775] (10776) 10786 صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت