الأرض التي نعيش عليها كذلك.فالأرض في دورتها أمام الشمس تتوالى المشارق على بقاعها المختلفة - كما تتوالى المغارب - فكلما جاء قطاع منها أمام الشمس كان هناك مشرق على هذا القطاع،وكان هناك مغرب على القطاع المقابل له في الكرة الأرضية.حتى إذا تحركت الأرض كان هناك مشرق آخر على القطاع التالي ومغرب آخر على القطاع المقابل له وهكذا ..وهي حقيقة ما كان يعرفها الناس في زمان نزول القرآن الكريم ولكن خبرهم بها اللّه في ذلك الزمان القديم! وهذا النظام الدقيق في توالي المشارق على هذه الأرض.وهذا البهاء الرائع الذي يغمر الكون في مطالع المشارق ..كلاهما جدير بأن يوقع في القلب البشري من التأثرات الموحية،ما يهتف به إلى تدبر صنعة الصانع المبدع،وإلى الإيمان بوحدانية الخالق المدبر،بما يبدو من آثار الصنعة الموحدة التي لا اختلاف في طابعها الدقيق الجميل.
تلك هي مناسبة ذكر هذه الصفة من صفات اللّه الواحد في هذا المقام.وسنرى أن ذكر السماء وذكر المشارق له مناسبة أخرى فيما يلي هذه الآيات من السورة.عند الحديث عن الكواكب والشهب والشياطين والرجوم ..
«إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ،وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ،لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ،دُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ،إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ» .
بعد ما مس في مطلع السورة شطر الأسطورة الخاص بالملائكة،عاد يمس هنا شطرها الثاني وهو الخاص بالشياطين.وكانوا يزعمون أن بين اللّه وبين الجنة نسبا.وبعضهم كانوا يعبدون الشياطين على هذا الأساس.وعلى أساس أن الشياطين يعرفون الغيب لاتصالهم بالملأ الأعلى ..
وبعد ذكر السماوات والأرض وما بينهما وذكر المشارق ..إما مشارق النجوم والكواكب.وإما المشارق المتوالية على قطاعات الأرض ..وإما هذه وتلك وأنوارها وأضوائها ..يجيء ذكر الكواكب: «إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ» ..
ونظرة إلى السماء كافية لرؤية هذه الزينة ولإدراك أن الجمال عنصر مقصود في بناء هذا الكون وأن
صنعة الصانع فيه بديعة التكوين جميلة التنسيق وأن الجمال فيه فطرة عميقة لا عرض سطحي وأن تصميمه قائم على جمال التكوين كما هو قائم على كمال الوظيفة سواء بسواء.فكل شيء فيه بقدر،وكل شيء فيه يؤدي وظيفته بدقة وهو في مجموعه جميل.والسماء.وتناثر الكواكب فيها،أجمل مشهد تقع عليه العين.ولا تمل طول النظر إليه.وكل نجمة توصوص بضوئها وكل كوكب يوصوص بنوره وكأنه عين محبة تخالسك النظر فإذا أنت حدقت فيها أغمضت وتوارت وإذا أنت التفت عنها أبرقت ولمعت! وتتبع مواقعها وتغير منازلها ليلة بعد ليلة وآنا بعد آن متعة نفسية لا تملها النفس أبدا! ثم تقرر الآية التالية أن لهذه الكواكب وظيفة أخرى،وأن منها شهبا ترجم بها الشياطين كي لا تدنو