فهرس الكتاب

الصفحة 4725 من 4997

حياة تنبض من خلال التعبير الرشيق الأنيق عن هذه الكواكب،وهناك إيحاء شعوري بالجمال في حركتها.في اختفائها وفي ظهورها.في تواريها وفي سفورها.في جريها وفي عودتها.يقابله إيحاء بالجمال في شكل اللفظ وجرسه.

«وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ» ..أي إذا أظلم.ولكن اللفظ فيه تلك الإيحاءات كذلك.فلفظ عسعس مؤلف من مقطعين:عس.عس.وهو يوحي بجرسه بحياة في هذا الليل،وهو يعس في الظلام بيده أو برجله لا يرى! وهو إيحاء عجيب واختيار للتعبير رائع.

ومثله: «وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ» ..بل هو أظهر حيوية،وأشد إيحاء.والصبح حي يتنفس.أنفاسه النور والحياة والحركة التي تدب في كل حي.وأكاد أجزم أن اللغة العربية بكل مأثوراتها التعبيرية لا تحتوي نظيرا لهذا التعبير عن الصبح.ورؤية الفجر تكاد تشعر القلب المتفتح أنه بالفعل يتنفس! ثم يجيء هذا التعبير فيصور هذه الحقيقة التي يشعر بها القلب المتفتح.

وكل متذوق لجمال التعبير والتصوير يدرك أن قوله تعالى: «فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ،وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ،وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ» ..ثروة شعورية وتعبيرية.فوق ما يشير إليه من حقائق كونية.ثروة جميلة بديعة رشيقة تضاف إلى رصيد البشرية من المشاعر،وهي تستقبل هذه الظواهر الكونية بالحس الشاعر.يلوح بهذه المشاهد الكونية التي يخلع عليها الحياة ويصل روح الإنسان بأرواحها من خلال التعبير الحي الجميل عنها لتسكب في روح الإنسان أسرارها،وتشي لها بالقدرة التي وراءها،وتحدثها بصدق الحقيقة الإيمانية التي تدعى إليها ..

الدرس الثالث:19 - 21 من صفات جبريل عليه السلام

ثم يذكر هذه الحقيقة في أنسب الحالات لذكرها واستقبالها: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ.ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ.مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ» ..إن هذا القرآن،وهذا الوصف لليوم الآخر ..لقول رسول كريم ..وهو جبريل الذي حمل هذا القول وأبلغه ..فصار قوله باعتبار تبليغه.

ويذكر صفة هذا الرسول،الذي اختير لحمل هذا القول وإبلاغه .. «كَرِيمٍ» عند ربه.فربه هو الذي يقول .. «ذِي قُوَّةٍ» ..مما يوحي بأن هذا القول يحتاج في حمله إلى قوة. «عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ» ..في مقامه ومكانته ..وعند من؟ عند ذي العرش العلي الأعلى. «مُطاعٍ ثَمَّ» هناك في الملأ الأعلى. «أَمِينٍ» ..على ما يحمل وما يبلغ ..

وهذه الصفات في مجموعها توحي بكرامة هذا القول وضخامته وسموه كذلك وارتفاعه.كما توحي بعناية اللّه سبحانه بالإنسان،حتى ليختار هذا الرسول صاحب هذه الصفة ليحمل الرسالة إليه،ويبلغ الوحي إلى النبي المختار منه ..وهي عناية تخجل هذا الكائن،الذي لا يساوي في ملك اللّه شيئا،لولا أن اللّه - سبحانه - يتفضل عليه فيكرمه هذه الكرامة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت