ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (108)
هذا القطاع بجملته يتناول قضية واحدة - على تعدد الموضوعات التي يتعرض لها - ويدور كله حول محور واحد ..إنه يتناول قضية التشريع فيجعلها هي قضية الألوهية ..اللّه هو الذي يحرم ويحلل ..واللّه هو الذي يحظر ويبيح ..واللّه هو الذي ينهى ويأمر ..ثم تتساوى المسائل كلها عند هذه القاعدة.كبيرها وصغيرها.فشئون الحياة الإنسانية بجملتها يجب أن ترد إلى هذه القاعدة دون سواها.
والذي يدعي حق التشريع أو يزاوله،فإنما يدعي حق الألوهية أو يزاوله ..وليس هذا الحق لأحد إلا للّه
وإلا فهو الاعتداء على حق اللّه وسلطانه وألوهيته ..واللّه لا يحب المعتدين ..والذي يستمد في شيء من هذا كله من عرف الناس ومقولاتهم ومصطلحاتهم،فإنما يعدل عما أنزل اللّه إلى الرسول ..ويخرج بهذا العدول عن الإيمان باللّه ويخرج من هذا الدين.
وتبدأ كل فقرة من فقرات هذا القطاع بنداء واحد مكرر: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» ..
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا ..» ..
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ..» .. «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ ..» ..
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ..» ..
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ..» ..
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ..» ..
ولهذا النداء على هذا النحو مكانه ودلالته في سياق هذا القطاع الذي يعالج قضية التشريع فيجعلها هي قضية الألوهية وقضية الإيمان،وقضية الدين ..إنه النداء بصفة الإيمان الذي معناه ومقتضاه الاعتراف بألوهية اللّه وحده،والاعتراف له سبحانه بالحاكمية ..فهو نداء التذكير والتقرير لأصل الإيمان وقاعدته بهذه المناسبة الحاضرة في السياق.ومعه الأمر بطاعة اللّه وطاعة الرسول والتحذير من التولي والإعراض والتهديد بعقاب اللّه الشديد،والإطماع في مغفرته ورحمته لمن أناب.