فهرس الكتاب

الصفحة 3823 من 4997

إن كان ثمت معركة يمكن أن تقوم بين قوة الوجود وخالقه،وقوة هؤلاء الضعاف المساكين! ولقد سبقتهم أقوام وأحزاب على شاكلتهم،توحي عاقبتهم بعاقبة كل من يقف في وجه القوة الطاحنة العارمة التي يتعرض لها من يعرض نفسه لبأس اللّه: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5) } [غافر:5،6]

فهي قصة قديمة من عهد نوح.ومعركة ذات مواقع متشابهة في كل زمان.وهذه الآية تصور هذه القصة.قصة الرسالة والتكذيب والطغيان على مدى القرون والأجيال كما تصور العاقبة في كل حال.

رسول يجيء.فيكذبه طغاة قومه.ولا يقفون عند مقارعة الحجة بالحجة،إنما هم يلجأون إلى منطق الطغيان الغليظ،فيهمون أن يبطشوا بالرسول،ويموهون على الجماهير بالباطل ليغلبوا به الحق ..هنا تتدخل يد القدرة الباطشة،فتأخذهم أخذا يعجب ويدهش،ويستحق التعجيب والاستعراض:

«فَكَيْفَ كانَ عِقابِ؟» ..

ولقد كان عقابا مدمرا قاضيا عنيفا شديدا،تشهد به مصارع القوم الباقية آثارها،وتنطق به الأحاديث والروايات.

ولم تنته المعركة.فهي ممتدة الآثار في الآخرة: « وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ» ..ومتى حقت كلمة اللّه على أحد فقد وقعت،وقضي الأمر،وبطل كل جدال.

وهكذا يصور القرآن الحقيقة الواقعة.حقيقة المعركة بين الإيمان والكفر،وبين الحق والباطل،وبين الدعاة إلى اللّه الواحد والطغاة الذين يستكبرون في الأرض بغير الحق.وهكذا نعلم أنها معركة قديمة بدأت منذ فجر البشرية.وأن ميدانها أوسع من الأرض كلها،لأن الوجود كله يقف مؤمنا بربه مسلما مستسلما،ويشذ منه الذين كفروا يجادلون في آيات اللّه وحدهم دون سائر هذا الكون الكبير.ونعلم كذلك نهاية المعركة - غير المتكافئة - بين صف الحق الطويل الضخم الهائل وشرذمة الباطل القليلة الضئيلة الهزيلة،مهما يكن تقلبها في البلاد،ومهما يكن مظهرها من القوة والسيطرة والمتاع! هذه الحقيقة - حقيقة المعركة والقوى البارزة فيها،وميدانها في الزمان والمكان - يصورها القرآن لتستقر في القلوب وليعرفها - على وجه خاص - أولئك الذين يحملون دعوة الحق والإيمان في كل زمان ومكان فلا تتعاظمهم قوة الباطل الظاهرة،في فترة محدودة من الزمان،ورقعة محدودة من المكان فهذه ليست الحقيقة.إنما الحقيقة هي التي يصورها لهم كتاب اللّه،وتنطق بها كلمة اللّه.وهو أصدق القائلين.وهو العزيز العليم.

الدرس الثالث:7 - 9 دعاء الملائكة للمؤمنين الصالحين

ويتصل بتلك الحقيقة الأولى أن حملة العرش ومن حوله - وهم من بين القوى المؤمنة في هذا الوجود - يذكرون المؤمنين من البشر عند ربهم،ويستغفرون لهم،ويستنجزون وعد اللّه إياهم بحكم رابطة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت