{ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (6) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (8) }
انتهى المقطع الأول من السورة بتلك الإيقاعات الثلاثة العميقة،بتلك الحقائق الكبيرة الأصيلة:حقيقة وحدانية الخالق المبدع.وحقيقة الاختصاص بالرحمة.وحقيقة الانفراد بالرزق.
وفي المقطع الثاني يتجه أولا إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بالتسلية والتسرية عن تكذيبهم له،ويرجع الأمر كله إلى اللّه.ويتجه ثانيا إلى الناس يهتف بهم:إن وعد اللّه حق،ويحذرهم لعب الشيطان بهم ليخدعهم عن تلك الحقائق الكبرى،ويذهب بهم إلى السعير - وهو عدوهم الأصيل - ويكشف لهم عن جزاء المؤمنين وجزاء المخدوعين بالعدو الأصيل! ويتجه أخيرا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يأسى عليهم وتذهب نفسه حسرات فإن الهدى والضلال بيد اللّه.واللّه عليم بما يصنعون.
الدرس الأول:4 - 7 تحذير الناس من الكفر والتكذيب
يخاطب الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ،وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» ..تلك هي الحقائق الكبرى واضحة بارزة فإن يكذبوك فلا عليك من التكذيب،فلست بدعا من الرسل: « فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ» والأمر كله للّه،وإليه ترجع الأمور،وما التبليغ والتكذيب إلا وسائل وأسباب.والعواقب متروكة للّه وحده،يدبر أمرها كيف يريد.
ويهتف بالناس: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا،وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ.إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا.إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ» ..
إن وعد اللّه حق ..إنه آت لا ريب فيه.إنه واقع لا يتخلف.إنه حق والحق لا بد أن يقع،والحق لا يضيع ولا يبطل ولا يتبدد ولا يحيد.ولكن الحياة الدنيا تغر وتخدع. «فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا» .ولكن الشيطان يغر ويخدع فلا تمكنوه من أنفسكم «وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ» ..والشيطان قد أعلن عداءه لكم وإصراره على عدائكم «فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا» لا تركنوا إليه،ولا تتخذوه ناصحا لكم،ولا تتبعوا خطاه،فالعدو لا يتبع خطى عدوه وهو يعقل! وهو لا يدعوكم إلى خير،ولا ينتهي بكم إلى نجاة: «إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ» ! فهل من عاقل يجيب دعوة الداعي إلى عذاب السعير؟! إنها لمسة وجدانية صادقة.فحين يستحضر الإنسان صورة المعركة الخالدة بينه وبين عدوه الشيطان،فإنه