الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا،إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ،وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ».
والشوط الثالث يتحدث عن تفرق الناس - بعد الرسل - وتنازعهم حول تلك الحقيقة الواحدة.التي جاءوا بها: «فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا،كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» .وعن غفلتهم عن ابتلاء اللّه لهم بالنعمة،واغترارهم بما هم فيه من متاع.بينما المؤمنون مشفقون من خشية ربهم،يعبدونه ولا يشركون به،وهم مع ذلك دائموا الخوف والحذر «وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ» ..وهنا يرسم مشهدا لأولئك الغافلين المغرورين يوم يأخذهم العذاب فإذا هم يجأرون فيأخذهم التوبيخ والتأنيب: «قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ،مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ» ..ويستنكر السياق موقفهم العجيب من رسولهم الأمين،وهم يعرفونه ولا ينكرونه وقد جاءهم بالحق لا يسألهم عليه أجرا.فماذا ينكرون منه ومن الحق الذي جاءهم به؟ وهم يسلمون بملكية اللّه لمن في السماوات والأرض،وربوبيته للسماوات والأرض،وسيطرته على كل شيء في السماوات والأرض.وبعد هذا التسليم هم ينكرون البعث،ويزعمون للّه ولدا سبحانه! ويشركون به آلهة أخرى «فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ» .
والشوط الأخير يدعهم وشركهم وزعمهم ويتوجه بالخطاب إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يدفع السيئة بالتي هي أحسن [1] ،وأن يستعيذ باللّه من الشياطين،فلا يغضب ولا يضيق صدره بما يقولون.
وإلى جوار هذا مشهد من مشاهد القيامة يصور ما ينتظرهم هناك من عذاب ومهانة وتأنيب ..وتختم السورة بتنزيه اللّه سبحانه: «فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» .وبنفي الفلاح عن الكافرين في مقابل تقرير الفلاح في أول السورة للمؤمنين: «وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ،إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ» .وبالتوجه إلى اللّه طلبا للرحمة والغفران: «وَقُلْ:رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ» .
جو السورة كلها هو جو البيان والتقرير،وجو الجدل الهادئ،والمنطق الوجداني،واللمسات الموحية للفكر والضمير.والظل الذي يغلب عليها هو الظل الذي يلقيه موضوعها ..الإيمان ..ففي مطلعها مشهد الخشوع في الصلاة: «الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ» .وفي صفات المؤمنين في وسطها: «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ» ..وفي اللمسات الوجدانية: «وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ» .
وكلها مظلّلة بذلك الظل الإيماني اللطيف.
(1) - السورة مكية. ولم يكن المسلمون حينئذ مأمورين بدفع العدوان بالعدوان. (السيد رحمه الله )