فهرس الكتاب

الصفحة 969 من 4997

تبين - مع ذلك كله - كيف قوّم الإسلام حسه المرهف،وكيف جعل الميزان الحساس يعتدل في يده ويستقيم وهو يعالج أمور المجتمع وأمور النفوس:عَنِ الْحَسَنِ:أَنَّ نَاسًا , لَقَوْا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو بِمِصْرَ , فَقَالُوا:نَرَى أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أُمِرَ أَنْ يُعْمَلَ بِهَا , لَا يُعْمَلُ بِهَا , فَأَرَدْنَا أَنْ نَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ ؟ فَقَدِمَ وَقَدِمُوا مَعَهُ , فَلَقِيَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , فَقَالَ:مَتَى قَدِمْتَ ؟ قَالَ:مُنْذُ كَذَا وَكَذَا قَالَ:أَبِإِذْنٍ قَدِمْتَ ؟ قَالَ:فَلَا أَدْرِي كَيْفَ رَدَّ عَلَيْهِ , فَقَالَ:يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينِ , إِنَّ نَاسًا لَقَوْنِي بِمِصْرَ , فَقَالُوا:إِنَّا نَرَى أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمَرَ أَنْ يُعْمَلَ بِهَا وَلَا يُعْمَلُ بِهَا , فَأَحَبُّوا أَنْ يَلْقَوْكَ فِي ذَلِكَ .فَقَالَ:اجْمَعْهُمْ لِي .قَالَ:فَجَمَعْتُهُمْ لَهُ - قَالَ ابْنُ عَوْنٍ:أَظُنُّهُ قَالَ فِي نَهَرٍ - فَأَخَذَ أَدْنَاهُمْ رَجُلًا , فَقَالَ:أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَبِحَقِّ الْإِسْلَامِ عَلَيْكَ , أَقْرَأَتَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ ؟ قَالَ:نَعَمْ قَالَ:فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي نَفْسِكَ ؟ قَالَ:اللَّهُمَّ لَا .- قَالَ:وَلَوْ قَالَ نَعَمْ لَخَصَمَهُ - .قَالَ:فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي بَصَرِكَ ؟ هَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي لَفْظِكَ ؟ هَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي أَثَرِكَ ؟ قَالَ:ثُمَّ تَتَبَّعَهُمْ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِمْ , فَقَالَ:ثَكِلَتْ عُمَرَ أُمُّهُ , أَتُكَلِّفُونَهُ أَنْ يُقِيمَ النَّاسَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ؟ قَدْ عَلِمَ رَبُّنَا أَنْ سَتَكُونُ لَنَا سَيِّئَاتٌ .قَالَ:وَتَلَا:إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلَا كَرِيمًا هَلْ عَلِمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ؟ أَوْ قَالَ:"هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ بِمَا قَدِمْتُمْ ؟ قَالُوا:لَا .قَالَ:لَوْ عَلِمُوا لَوَعَظْتُ بِكُمْ" [1] .

فهكذا كان عمر - المتحرج الشديد الحساسية - يسوس القلوب والمجتمع وقد قوّم القرآن حسه وأعطاه الميزان الدقيق .. «قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات!» ولن نكون غير ما علم ربه أن نكون! إنما المعول عليه هو القصد والتصويب والمحاولة والرغبة في الوفاء بالالتزام ات،وبذل الجهد في هذا الوفاء ..إنه التوازن والجد واليسر والاعتدال.

الدرس الخامس:32 - 33 تنظيم الصلات بين الرجال والنساء

وفي سياق الحديث عن الأموال،وتداولها في الجماعة،تجيء تكملة فيما بين الرجال والنساء من ارتباطات ومعاملات.وفيما كان من عقود الولاء وعلاقاتها بنظام التوريث العام.الذي سبق تفصيله في

(1) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (8443 ) قال ابن كثير:"إسناد صحيح ومتن حسن،وإن كانت رواية الحسن عن عمر،وفيها انقطاع،إلا أن مثل هذا اشتهر،فتكفي شهرته".وقال السيوطي:"أخرج ابن جرير بسند حسن".

"أحصى الشيء":أحاط به وحفظه،يعني:هل استوفيتم القيام بكل أمر به في ذلك وحفظتموه وضبطتم العمل به،ومنه قوله تعالى:"عَلَم أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ"أي:أن تطيقوا القيام به.-"خاصمت الرجل فخصمته":أي غلبته بالحجة.-"الأثر":ما تتركه في الأرض من ثقل خطاك عليها،وأراد به هنا:السعي في الأرض.كالذي في قوله تعالى:"ونكتب ما قدموا وآثارهم"،أي خطاهم حيث سعوا في الأرض.

وقوله:"لوعظت بكم"،أي:لأنزلت بكم من العقوبة،ما يكون عظة لغيركم من الناس.وذلك أنهم جاءوا في شكاة عاملهم على مصر،وتشددوا ولم ييسروا،وأرادوا أن يسير في الناس بما لا يطيقون هم في أنفسهم من الإحاطة بكل أعمال الإسلام،وما أمرهم الله به.وذلك من الفتن الكبيرة.ولم يريدوا ظاهر الإسلام وأحكامه،وإنما أرادوا بعض ما أدب الله به خلقه.وعمر أجل من أن يتهاون في أحكام الإسلام.وإنما قلت هذا وشرحته،مخافة أن يحتج به محتج من ذوي السلطان والجبروت،في إباحة ترك أحكام الله غير معمول بها،كما هو أمر الطغاة والجبابرة من الحاكمين في زماننا هذا.تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة - (8 / 255)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت