فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 4997

يرفعان القواعد من البيت الحرام فاستحقت وراثة هذه الأمانة دون ذرية إبراهيم جميعا،بذلك السبب الوحيد الذي تقوم عليه وراثة العقيدة.سبب الإيمان بالرسالة،وحسن القيام عليها،والاستقامة على تصورها الصحيح.

وفي ثنايا هذا العرض التاريخي يبرز السياق:أن الإسلام - بمعنى إسلام الوجه للّه وحده - كان هو الرسالة الأولى،وكان هو الرسالة الأخيرة ..هكذا اعتقد إبراهيم،وهكذا اعتقد من بعده إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط،حتى أسلموا هذه العقيدة ذاتها إلى موسى وعيسى ..ثم آلت أخيرا إلى ورثة إبراهيم من المسلمين ..

فمن استقام على هذه العقيدة الواحدة فهو وريثها،ووريث عهودها وبشاراتها.ومن فسق عنها،ورغب بنفسه عن ملة إبراهيم،فقد فسق عن عهد اللّه،وقد فقد وراثته لهذا العهد وبشاراته.

عندئذ تسقط كل دعاوى اليهود والنصارى في اصطفائهم واجتبائهم،لمجرد أنهم أبناء إبراهيم وحفدته،وهم ورثته وخلفاؤه! لقد سقطت عنهم الوراثة منذ ما انحرفوا عن هذه العقيدة ..وعندئذ تسقط كذلك كل دعاوى قريش في الاستئثار بالبيت الحرام وشرف القيام عليه وعمارته،لأنهم قد فقدوا حقهم في وراثة باني هذا البيت ورافع قواعده بانحرافهم عن عقيدته ..ثم تسقط كل دعاوى اليهود فيما يختص بالقبلة التي ينبغي أن يتجه إليها المسلمون.فالكعبة هي قبلتهم وقبلة أبيهم إبراهيم

كل ذلك في نسق من العرض والأداء والتعبير عجيب حافل بالإشارات الموحية،والوقفات العميقة الدلالة،والإيضاح القوي التأثير.

الدرس الأول:124 إمامة إبراهيم وشرط الإمامة في ذريته

فلنأخذ في استعراض هذا النسق العالي في ظل هذا البيان المنير: «وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ.قالَ:إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا.قالَ:وَمِنْ ذُرِّيَّتِي؟ قالَ:لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» ..

يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - اذكر ما كان من ابتلاء اللّه لإبراهيم بكلمات من الأوامر والتكاليف،فأتمهن وفاء وقضاء ..وقد شهد اللّه لإبراهيم في موضع آخر بالوفاء بالتزام اته على النحو الذي يرضى اللّه عنه فيستحق شهادته الجليلة: «وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى» ..وهو مقام عظيم ذلك المقام الذي بلغه إبراهيم.مقام الوفاء والتوفية بشهادة اللّه عز وجل.والإنسان بضعفه وقصوره لا يوفي ولا يستقيم! عندئذ استحق إبراهيم تلك البشرى.أو تلك الثقة: «قالَ:إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا» ..إماما يتخذونه قدوة،ويقودهم إلى اللّه،ويقدمهم إلى الخير،ويكونون له تبعا،وتكون له فيهم قيادة.

عندئذ تدرك إبراهيم فطرة البشر:الرغبة في الامتداد عن طريق الذراري والأحفاد.ذلك الشعور الفطري العميق،الذي أودعه اللّه فطرة البشر لتنمو الحياة وتمضي في طريقها المرسوم،ويكمل اللاحق ما بدأه السابق،وتتعاون الأجيال كلها وتتساوق ..ذلك الشعور الذي يحاول بعضهم تحطيمه أو تعويقه وتكبيله وهو مركوز في أصل الفطرة لتحقيق تلك الغاية البعيدة المدى.وعلى أساسه يقرر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت