وعَنْ صُهَيْبٍ ،قَالَ:خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمَدِينَةِ وَخَرَجَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ،وَكُنْتُ قَدْ هَمَمْتُ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ وَصَدَّنِي فَتَيَانِ مِنْ قُرَيْشٍ ،فَجَعَلْتُ لَيْلَتِي تِلْكَ أَقُومُ لَا أَقْعُدُ ،وَقَالُوا:قَدْ شَغَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْكُمْ بِبَطْنِهِ ،وَلَمْ أَكُنْ شَاكِيًا ،فَقَامُوا فَخَرَجْتُ فَلَحِقَنِي مِنْهُمْ نَاسٌ بَعْدَمَا سِرْتُ يُرِيدُونَ رَدِّي ،فَقُلْتُ لَهُمْ:هَلْ لَكُمْ أَنْ أُعْطِيَكُمْ أَوَاقِيَّ مِنْ ذَهَبٍ وَحُلَّتَيْنِ لِي بِمَكَّةَ وَتُخْلُونَ سَبِيلِي وَتُوثِقُونَ لِي ،فَفَعَلُوا فَتَبِعْتُهُمْ إِلَى مَكَّةَ فَقُلْتُ:احْفُرُوا تَحْتَ أُسْكُفَّةِ الْبَابِ فَإِنَّ تَحْتَهَا الْأَوَاقِيَ ،وَاذْهَبُوا إِلَى فُلَانَةَ بِآيَةِ كَذَا وَكَذَا فَخُذُوا الْحُلَّتَيْنِ ،فَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قُبَاءَ ،قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْهَا ،فَلَمَّا رَآنِي قَالَ:"يَا أَبَا يَحْيَى رَبِحَ الْبَيْعُ"ثَلَاثًا ،فَقُلْتُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا سَبَقَنِي إِلَيْكَ أَحَدٌ ،وَمَا أَخْبَرَكَ إِلَّا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ" [1] "
وسواء كانت الآية نزلت في هذا الحادث،أو أنها كانت تنطبق عليه،فهي أبعد مدى من مجرد حادث ومن مجرد فرد.وهي ترسم صورة نفس،وتحدد ملامح نموذج من الناس ترى نظائره في البشرية هنا وهناك والصورة الأولى تنطبق على كل منافق مراء ذلق اللسان فظ القلب،شرير الطبع،شديد الخصومة،مفسود الفطرة ..والصورة الثانية تنطبق على كل مؤمن خالص الإيمان،متجرد للّه،مرخص لأعراض الحياة ..وهذا وذلك نموذجان معهودان في الناس ترسمهما الريشة المبدعة بهذا الإعجاز وتقيمهما أمام الأنظار يتأمل الناس فيهما معجزة القرآن،ومعجزة خلق الإنسان بهذا التفاوت بين النفاق والإيمان.ويتعلم منهما الناس ألا ينخدعوا بمعسول القول،وطلاوة الدهان وأن يبحثوا عن الحقيقة وراء الكلمة المزوقة،والنبرة المتصنعة،والنفاق والرياء والزواق! كما يتعلمون منهما كيف تكون القيم في ميزان الإيمان.
وفي ظلال هاتين اللوحتين المشخصتين لنموذج النفاق الفاجر،ونموذج الإيمان الخالص.يهتف بالجماعة المسلمة،باسم الإيمان الذي تعرف به،للدخول في السلم كافة،والحذر من اتباع خطوات الشيطان،مع التحذير من الزلل بعد البيان. «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً،وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ،إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.فَإِنْ زَلَلْتُمْ،مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ،فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» ..
إنها دعوة للمؤمنين باسم الإيمان.بهذا الوصف المحبب إليهم،والذي يميزهم ويفردهم،ويصلهم باللّه الذي يدعوهم ..دعوة للذين آمنوا أن يدخلوا في السلم كافة ..
وأول مفاهيم هذه الدعوة أن يستسلم المؤمنون بكلياتهم للّه،في ذوات أنفسهم،وفي الصغير والكبير من أمرهم.أن يستسلموا الاستسلام الذي لا تبقى بعده بقية ناشزة من تصور أو شعور،ومن نية أو عمل،ومن رغبة أو رهبة،لا تخضع للّه ولا ترضى بحكمه وقضاه.استسلام الطاعة الواثقة المطمئنة
(1) - حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ (495 -497) صحيح لغيره - زيادة مني