فهرس الكتاب

الصفحة 2831 من 4997

والروايات عن حفظ العهود - مهما تكن المصلحة القريبة في نقضها - متواترة مشهورة.

وقد ترك هذا القرآن في النفوس ذلك الطابع الإسلامي البارز.وهو يرغب ويرهب،وينذر ويحذر ويجعل العهد عهد اللّه،ويصور النفع الذي يجره نقضه ضئيلا هزيلا،وما عند اللّه على الوفاء عظيما جزيلا: «وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ..ويذكر بأن ما عند البشر ولو ملكه فرد فإنه زائل،وما عند اللّه باق دائم: «ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ» ،ويقوي العزائم على الوفاء،والصبر لتكاليف الوفاء،ويعد الصابرين أجرا حسنا «وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» والتجاوز عما وقع منهم من عمل سيئ،ليكون الجزاء على أحسن العمل دون سواه.

الدرس الثالث:97 البشرى بقبول عمل الصالحين والصالحات وحياتهم الطيبة

وبمناسبة العمل والجزاء،يعقب بالقاعدة العامة فيهما: «مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ،فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً،وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» ..فيقرر بذلك القواعد التالية:أن الجنسين:الذكر والأنثى.متساويان في قاعدة العمل والجزاء،وفي صلتهما باللّه،وفي جزائهما عند اللّه.ومع أن لفظ «من» حين يطلق يشمل الذكر والأنثى إلا أن النص يفصل: «مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى » لزيادة تقرير هذه الحقيقة.وذلك في السورة التي عرض فيها سوء رأي الجاهلية في الأنثى،وضيق المجتمع بها،واستياء من يبشر بمولدها،وتواريه من القوم حزنا وغما وخجلا وعارا! وأن العمل الصالح لا بد له من القاعدة الأصيلة يرتكز عليها.قاعدة الإيمان باللّه «وَهُوَ مُؤْمِنٌ» فبغير هذه القاعدة لا يقوم بناء،وبغير هذه الرابطة لا يتجمع شتاته،إنما هو هباء كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.

والعقيدة هي المحور الذي تشد إليه الخيوط جميعا،وإلا فهي أنكاث.فالعقيدة هي التي تجعل للعمل الصالح باعثا وغاية.فتجعل الخير أصيلا ثابتا يستند إلى أصل كبير.لا عارضا مزعزعا يميل مع الشهوات والأهواء حيث تميل.

وأن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض.لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال.فقد تكون به،وقد لا يكون معها.وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية:فيها الاتصال باللّه والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه.وفيها الصحة والهدوء والرضى والبركة،وسكن البيوت ومودات القلوب.وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره في الحياة ..وليس المال إلا عنصرا واحدا يكفي منه القليل،حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند اللّه.وأن الحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت