أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98)
هذا الدرس الثالث في السورة يبدأ بتصوير حال الناس بعد أمة الرسل.تلك الحال التي جاء الرسول الأخير فوجدهم عليها.مختلفين متنازعين حول الحقيقة الواحدة التي جاءهم بها الرسل من قبل جميعا.
ويصور غفلتهم عن الحق الذي جاءهم به خاتم المرسلين - صلى الله عليه وسلم - والغمرة التي تذهلهم عن عاقبة ما هم فيه.بينما المؤمنون يعبدون اللّه،ويعملون الصالحات،وهم مع هذا خائفون من العاقبة،وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ..فتتقابل صورة اليقظة والحذر في النفس المؤمنة،وصورة الغمرة والغفلة في النفس الكافرة.
ثم يجول معهم جولات شتى:يستنكر موقفهم مرة،ويستعرض شبهاتهم مرة،ويلمس وجدانهم بدلائل الإيمان في أنفسهم وفي الآفاق مرة،ويأخذهم بمسلماتهم فيجعلها حجة عليهم مرة.
وينتهي بعد هذه الجولات بتركهم إلى مصيرهم المحتوم.ويتوجه بالخطاب إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يمضي في طريقة،لا يغضب لعنادهم،وأن يدفع السيئة بالحسنى،وأن يستعيذ باللّه من الشياطين التي تقودهم إلى الضلال المبين.
الدرس الأول:53 - 56 اختلاف الناس بعد الرسل
«فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا،كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ.فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ.أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ؟ بَلْ لا يَشْعُرُونَ» ! لقد مضى الرسل - صلوات اللّه عليهم - أمة واحدة،ذات كلمة واحدة،وعبادة واحدة،ووجهة واحدة،فإذا الناس من بعدهم أحزاب متنازعة لا تلتقي على منهج ولا طريق.
ويخرج التعبير القرآني المبدع هذا التنازع في صورة حسية عنيفة.لقد تنازعوا الأمر حتى مزقوه بينهم مزقا ،وقطعوه في أيديهم قطعا.ثم مضى كل حزب بالمزقة التي خرجت في يده.مضى فرحا لا يفكر في شيء، ولا يلتفت إلى شيء! مضى وأغلق على حسه جميع المنافذ التي تأتيه منها أية نسمة طليقة،أو يدخل إليه منها أي شعاع مضيء! وعاش الجميع في هذه الغمرة مذهولين مشغولين بما هم فيه،مغمورين لا تنفذ إليهم نسمة محيية ولا شعاع منير.
وحين يرسم لهم هذه الصورة يتوجه بالخطاب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ» ..ذرهم في هذه الغمرة غافلين مشغولين بما هم فيه،حتى يفجأهم المصير حين يجيء موعده المحتوم.
ويأخذ في التهكم عليهم والسخرية من غفلتهم،إذ يحسبون أن الإملاء لهم بعض الوقت،وإمدادهم بالأموال والبنين في فترة الاختبار،مقصود به المسارعة لهم في الخيرات وإيثارهم بالنعمة والعطاء: