عالم الواقع يجب أن تستيقن هذه الحقيقة بوضوح وعمق ويجب ألا تتلجلج فيها أي تلجلج ويجب أن تعرّف الناس بها تعريفا صريحا واضحا جازما .. فهذه هي نقطة البدء والانطلاق .. فإذا انحرفت الحركة عنها - منذ البدء - أدنى انحراف ضلت طريقها كله وبنت على غير أساس مهما توافر لها من الإخلاص بعد ذلك والصبر والتصميم على المضي في الطريق!
ثم يعود السياق إلى الهتاف للذين آمنوا - في سلسلة متوالية من الهتافات الموحية - عقب ذكرهم:وذكر أن اللّه معهم .. يعود إليهم ليهتف بهم إلى طاعة اللّه ورسوله ويحذرهم التولي عنه،والتشبه بأولئك الذين يسمعون آيات اللّه تتلى عليهم فكأنهم لم يسمعوها .. أولئك الصم البكم،وإن كانت لهم آذان تسمع الأصوات وألسنة تنطق بالكلمات .. أولئك الذين هم شر الدواب التي تدب على هذه الأرض لأنهم لا يهتدون بما يسمعون: « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ،وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا:سَمِعْنا،وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ. وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ» .
إن الهتاف هنا للذين آمنوا ليطيعوا اللّه ورسوله،ولا يتولوا عنه وهم يسمعون آياته وكلماته .. إن هذا الهتاف هنا إنما يجيء بعد جميع مقدماته الموحية .. يجيء بعد استعراض أحداث المعركة وبعد رؤية يد اللّه فيها،وتدبيره وتقديره،وعونه ومدده وبعد توكيد أن اللّه مع المؤمنين،وأن اللّه موهن كيد الكافرين. فما يبقى بعد ذلك كله مجال لغير السمع والطاعة للّه والرسول. وإن التولي عن الرسول وأوامره بعد هذا كله ليبدو مستنكرا قبيحا لا يقدم عليه إنسان له قلب يتدبر وعقل يتفكر .. ومن هنا يجيء ذكر الدواب في موضعه المناسب! ولفظ «الدواب» يشمل الناس فيما يشمل،فهم يدبون على الأرض،ولكن استعماله يكثر في الدواب من الأنعام،فيلقي ظله بمجرد إطلاقه ويخلع على «الصم البكم الذين لا يعقلون» صورة البهيمة في الحس والخيال! وإنهم لكذلك! إنهم لدواب بهذا الظل. بل هم شر الدواب! فالبهائم لها آذان ولكنها لا تسمع إلا كلمات مبهمة ولها لسان ولكنها لا تنطق أصواتا مفهومة. إلا أن البهائم مهتدية بفطرتها فيما يتعلق بشؤون حياتها الضرورية.
أما هؤلاء الدواب فهم موكولون إلى إدراكهم الذي لا ينتفعون به. فهم شر الدواب قطعا! «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ» ..
«وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ» ..أي لأسمع قلوبهم وشرحها لما تسمعه آذانهم .. ولكنه - سبحانه - لم يعلم فيهم خيرا ولا رغبة في الهدى فقد أفسدوا استعداداتهم الفطرية للتلقي والاستجابة فلم يفتح اللّه عليهم ما أغلقوا هم من قلوبهم،وما أفسدوا هم من فطرتهم. ولو جعلهم اللّه يدركون بعقولهم حقيقة ما يدعون إليه،ما فتحوا قلوبهم له ولا استجابوا لما فهموا .. «وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ