فهرس الكتاب

الصفحة 4298 من 4997

هنا يعرفون - ولا يجادلون - أنهم عجزة عجزة.قاصرون قاصرون.هنا يسدل الستار دون الرؤية.ودون المعرفة.ودون الحركة.هنا تتفرد القدرة الإلهية،والعلم الإلهي.ويخلص الأمر كله للّه بلا شائبة ولا شبهة ولا جدال ولا محال: «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ» ! وهنا يجلل الموقف جلال اللّه،ورهبة حضوره - سبحانه وتعالى - وهو حاضر في كل وقت.ولكن التعبير يوقظ الشعور بهذه الحقيقة التي يغفل عنها البشر.فإذا مجلس الموت تجلله رهبة الحضور وجلاله.فوق ما فيه من عجز ورهبة وانقطاع ووداع.وفي ظل هذه المشاعر الراجفة الواجفة الآسية الآسفة يجيء التحدي الذي يقطع كل قول وينهي كل جدال: « فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ:تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ!» فلو كان الأمر كما تقولون:إنه لا حساب ولا جزاء.فأنتم إذن طلقاء غير مدينين ولا محاسبين.فدونكم إذن فلترجعوها - وقد بلغت الحلقوم - لتردوها عما هي ذاهبة إليه من حساب وجزاء.وأنتم حولها تنظرون.وهي ماضية إلى الدينونة الكبرى وأنتم ساكنون عاجزون! هنا تسقط كل تعلة.وتنقطع كل حجة.ويبطل كل محال.وينتهي كل جدال.ويثقل ضغط هذه الحقيقة على الكيان البشري،فلا يصمد له،إلا وهو يكابر بلا حجة ولا دليل!

الدرس التاسع:88 - 94 مصائر الأصناف الثلاثة في الآخرة

ثم يمضي السياق في بيان مصير هذه الروح الذي يتراءى لها من بعيد حين تبلغ الحلقوم،وتستدبر الحياة الفانية،وتستقبل الحياة الباقية.وتمضي إلى الدينونة التي يكذب بها المكذبون: « فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ،فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ.وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ،فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ.وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ.فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ.وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ» .

وقد مرت بنا في أول السورة صور من نعيم المقربين.فالروح هنا ترى علائم هذا النعيم الذي ينتظرها:روح وريحان وجنة نعيم.والألفاظ ذاتها تقطر رقة ونداوة.وتلقي ظلال الراحة الحلوة،والنعيم اللين والأنس الكريم.

«وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ» ..فيلتفت بالخطاب إليه ..يبلغه سلام إخوانه من أصحاب اليمين.وما أندى السلام ساعتئذ وما أحبه.حين يتلقاه وقد بلغت الحلقوم! فيطمئن باله ويشعر بالأنس في الصحبة المقبلة مع أصحاب اليمين. «وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ.فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ.وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ» ..وما أسوأه نزلا ومثوى ذلك الحميم الساخن.وما أشده عذابا ذلك الجحيم،يتراءى له ويعلم أنه ملاقيه عن يقين! والآن وقد بلغ الموقف ذروته تجيء الخاتمة في إيقاع عميق رزين: «إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ.فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» ..فتلتقي رجاحة اليقين وثقله في ميزان الحق،بالواقعة التي بدأت بها السورة.وتختم بما يوحيه هذا اليقين الثابت الجازم من اتجاه إلى اللّه بالتسبيح والتعظيم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت