درس الثالث:7 علم الله الشامل لكل ما يحدث في الكون
ويستطرد السياق من تقرير حقيقة: «وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» ..إلى رسم صورة حية من هذا الشهود،تمس أوتار القلوب: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ،ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ،وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ،وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ،أَيْنَ ما كانُوا،ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ،إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ..
تبدأ الآية بتقرير علم اللّه الشامل لما في السماوات وما في الأرض على إطلاقه،فتدع القلب يرود آفاق السماوات وأرجاء الأرض مع علم اللّه المحيط بكل شيء في هذا المدى الوسيع المتطاول.من صغير وكبير،وخاف وظاهر،ومعلوم ومجهول ..
ثم تتدرج من هذه الآفاق وتلك الأرجاء،وتزحف وتقرب حتى تلمس ذوات المخاطبين وتمس قلوبهم بصورة من ذلك العلم الإلهي تهز القلوب: «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ،وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ،وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا» ..
وهي حقيقة في ذاتها،ولكنها تخرج في صورة لفظية عميقة التأثير.صورة تترك القلوب وجلة ترتعش مرة،وتأنس مرة،وهي مأخوذة بمحضر اللّه الجليل المأنوس.وحيثما اختلى ثلاثة تلفتوا ليشعروا باللّه رابعهم.وحيثما اجتمع خمسة تلفتوا ليشعروا باللّه سادسهم.وحيثما كان اثنان يتناجيان فاللّه هناك! وحيثما كانوا أكثر فاللّه هناك! إنها حالة لا يثبت لها قلب ولا يقوى على مواجهتها إلا وهو يرتعش ويهتز ...وهو محضر مأنوس نعم ..
ولكنه كذلك جليل رهيب.محضر اللّه: «هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا» ..
«ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ» ..وهذه لمسة أخرى ترجف وتزلزل ..إن مجرد حضور اللّه وسماعه أمر هائل.فكيف إذا كان لهذا الحضور والسماع ما بعده من حساب وعقاب؟ وكيف إذا كان ما يسره المتناجون وينعزلون به ليخفوه،سيعرض على الأشهاد يوم القيامة وينبئهم اللّه به في الملأ الأعلى في ذلك اليوم المشهود؟! وتنتهي الآية بصورة عامة كما بدأت: «إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» .وهكذا تستقر حقيقة العلم الإلهي في القلوب،بهذه الأساليب المنوعة في عرضها في الآية الواحدة.الأساليب التي تعمق هذه الحقيقة في القلب البشري،وهي تدخل بها عليه من شتى المسالك والدروب!
ذلك التقرير العميق لحقيقة حضور اللّه وشهوده في تلك الصورة المؤثرة المرهوبة تمهد لتهديد المنافقين،الذين كانوا يتناجون فيما بينهم بالمؤامرات ضد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وضد الجماعة المسلمة بالمدينة.مع التعجيب من موقفهم المريب:« أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا