فهرس الكتاب

الصفحة 2956 من 4997

فغلب الجمود في بيئة من البيئات انبعثت الثورة التي تدفع بالعجلة دفعة قوية قد تتجاوز حدود الاعتدال.وخير الفترات هي فترات التعادل بين قوتي الدفع والجذب،والتوازن بين الدوافع والضوابط في جهاز الحياة.

فأما إذا غلب الركود والجمود.فهو الإعلان بانحسار دوافع الحياة،وهو الإيذان بالموت في حياة الأفراد والجماعات سواء.هذه هي الفطرة المناسبة لخلافة الإنسان في الأرض.فأما في الجنة وهي دار الكمال المطلق ..فإن هذه الفطرة لا تقابلها وظيفة.ولو بقيت النفس بفطرة الأرض،وعاشت في هذا النعيم المقيم الذي لا تخشى عليه النفاد،ولا تتحول هي عنه،ولا يتحول هو عنها لا نقلب النعيم جحيما لهذه النفس بعد فترة من الزمان ولأصبحت الجنة سجنا لنزلائها يودون لو يغادرونه فترة،ولو إلى الجحيم،ليرضوا نزعة التغيير والتبديل! ولكن بارئ هذه النفس - وهو أعلم بها - يحول رغباتها،فلا تعود تبغي التحول عن الجنة،وذلك في مقابل الخلود الذي لا تحول له ولا نفاد!

الدرس السابع:109 لانهاية لعلم الله ولا لكلماته

وأما الإيقاع الثاني فيصور العلم البشري المحدود بالقياس إلى العلم الإلهي الذي ليست له حدود ويقربه إلى تصور البشر القاصر بمثال محسوس على طريقة القرآن في التعبير بالتصوير: «قُلْ:لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي،وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا» ..

والبحر أوسع وأغزر ما يعرفه البشر.والبشر يكتبون بالمداد كل ما يكتبون وكل ما يسجلون به علمهم الذي يعتقدون أنه غزير!

فالسياق يعرض لهم البحر بسعته وغزارته في صورة مداد يكتبون به كلمات اللّه الدالة على علمه فإذا البحر ينفد وكلمات اللّه لا تنفد.ثم إذا هو يمدهم ببحر آخر مثله،ثم إذا البحر الآخر ينفد كذلك وكلمات اللّه تنتظر المداد! وبهذا التصوير المحسوس والحركة المجسمة يقرب إلى التصور البشري المحدود معنى غير المحدود،ونسبة المحدود إليه مهما عظم واتسع.

والمعنى الكلي المجرد يظل حائرا في التصور البشري ومائعا حتى يتمثل في صورة محسوسة.ومهما أوتي العقل البشري من القدرة على التجريد فإنه يظل في حاجة إلى تمثل المعنى المجرد في صور وأشكال وخصائص ونماذج ..ذلك شأنه مع المعاني المجردة التي تمثل المحدود،فكيف بغير المحدود؟

لذلك يضرب القرآن الأمثال للناس ويقرب إلى حسهم معانيه الكبرى بوضعها في صور ومشاهد،ومحسوسات ذات مقومات وخصائص وأشكال على مثال هذا المثال.

والبحر في هذا المثال يمثل علم الإنسان الذي يظنه واسعا غزيرا.وهو - على سعته وغزارته - محدود.

وكلمات اللّه تمثل العلم الإلهي الذي لا حدود له،والذي لا يدرك البشر نهايته بل لا يستطيعون تلقيه وتسجيله.فضلا على محاكاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت