«قُلْ:هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا» الذين لا يوجد من هم أشد منهم خسرانا؟ «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» فلم يؤد بهم إلى الهدى،ولم ينته بهم إلى ثمرة أو غاية: «وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا» لأنهم من الغفلة بحيث لا يشعرون بضلال سعيهم وذهابه سدى،فهم ماضون في هذا السعي الخائب الضال،ينفقون حياتهم فيه هدرا ..
قل هل ننبئكم من هم هؤلاء؟
وعند ما يبلغ من استتارة التطلع والانتظار إلى هذا الحد يكشف عنهم فإذا هم: «أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ» ..وأصل الحبوط هو انتفاخ بطن الدابة حين تتغذى بنوع سام من الكلأ ثم تلقى حتفها ..وهو أنسب شيء لوصف الأعمال ..إنها تنتفخ وأصحابها يظنونها صالحة ناجحة رابحة ..ثم تنتهي إلى البوار! «أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ» .. «فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا» ..فهم مهملون،لا قيمة لهم ولا وزن في ميزان القيم الصحيحة «يَوْمَ الْقِيامَةِ» ولهم بعد ذلك جزاؤهم: «ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُوًا» .ويتم التعاون في المشهد بعرض كفة المؤمنين في الميزان وقيمتهم:
« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا.خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا» ..وهذا النزل في جنات الفردوس في مقابل ذلك النزل في نار جهنم.وشتان شتان!
ثم هذه اللفتة الدقيقة العميقة إلى طبيعة النفس البشرية وإحساسها بالمتاع في قوله: «لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا» ..وهي تحتاج منا إلى وقفة بإزاء ما فيها من عمق ودقة ..
إنهم خالدون في جنات الفردوس ..ولكن النفس البشرية حوّل قلب.تمل الاطراد،وتسأم البقاء على حال واحدة أو مكان واحد وإذا اطمأنت على النعيم من التغير والنفاد فقدت حرصها عليه.وإذا مضى على وتيرة واحدة فقد تسأمه.بل قد تنتهي إلى الضيق به والرغبة في الفرار منه!هذه هي الفطرة التي فطر عليها الإنسان لحكمة عليا تناسب خلافته للأرض،ودوره في هذه الخلافة.
فهذا الدور يقتضي تحوير الحياة وتطويرها حتى تبلغ الكمال المقدر لها في علم اللّه.ومن ثم ركز في الفطرة البشرية حب التغيير والتبديل وحب الكشف والاستطاع،وحب الانتقال من حال إلى حال،ومن مكان إلى مكان،ومن مشهد إلى مشهد،ومن نظام إلى نظام ..وذلك كي يندفع الإنسان في طريقه،يغير في واقع الحياة،ويكشف عن مجاهل الأرض،ويبدع في نظم المجتمع وفي أشكال المادة ..ومن وراء التغير والكشف والإبداع ترتقي الحياة وتتطور وتصل شيئا فشيئا إلى الكمال المقدر لها في علم اللّه.
نعم إنه مركوز في الفطرة كذلك ألفة القديم،والتعلق بالمألوف،والمحافظة على العادة.ولكن ذلك كله بدرجة لا تشل عملية التطور والإبداع،ولا تعوق الحياة عن الرقي والارتفاع.ولا تنتهي بالأفكار والأوضاع إلى الجمود والركود.إنما هي المقاومة التي تضمن التوازن مع الاندفاع.وكلما اختل التوازن