وبعد هذه اللمسة الموقظة الموجهة يستأنف حكاية حديثهم عن البعث،ودهشتهم البالغة لهذا الأمر،الذي يرونه عجيبا غريبا،لا يتحدث به إلا من أصابه طائف من الجن،فهو يتفوه بكل غريب عجيب،أو يفتري الكذب ويقول بما لا يمكن أن يكون.
«وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا:هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ! أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ؟ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ» ..
إلى هذا الحد من الاستغراب والدهش كانوا يقابلون قضية البعث.فيعجبون الناس من أمر القائل بها في أسلوب حاد من التهكم والتشهير: «هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ؟» هل ندلكم على رجل عجيب غريب،ينطق بقول مستنكر بعيد،حتى ليقول:إنكم بعد الموت والبلى والتمزق الشديد تخلقون من جديد،وتعودون للوجود؟! ويمضون في العجب والتعجيب،والاستنكار والتشهير: «أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ؟» ..فما يقول مثل هذا الكلام - بزعمهم - إلا كاذب يفتري على اللّه ما لم يقله،أو مسته الجن فهو يهذي أو ينطق بالعجيب الغريب! ولم هذا كله؟ لأنه يقول لهم:إنكم ستخلقون خلقا جديدا! وفيم العجب وهم قد خلقوا ابتداء؟ إنهم لا ينظرون هذه العجيبة الواقعة.عجيبة خلقهم الأول.ولو قد نظروها وتدبروها ما عجبوا أدنى عجب للخلق الجديد.ولكنهم ضالون لا يهتدون.ومن ثم يعقب على تشهيرهم وتعجيبهم تعقيبا شديدا مرهوبا: «بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ» ..
وقد يكون المقصود بالعذاب الذي هم فيه عذاب الآخرة،فهو لتحققه كأنهم واقعون فيه،وقوعهم في الضلال البعيد الذي لا يرجى معه اهتداء ..وقد يكون هذا تعبيرا عن معنى آخر.معنى أن الذين لا يؤمنون بالآخرة يعيشون في عذاب كما يعيشون في ضلال.وهي حقيقة عميقة.فالذي يعيش بلا عقيدة في الآخرة يعيش في عذاب نفسي.لا أمل له ولا رجاء في نصفة ولا عدل ولا جزاء ولا عوض عما يلقاه في الحياة.
وفي الحياة مواقف وابتلاءات لا يقوى الإنسان على مواجهتها إلا وفي نفسه رجاء الآخرة،وثوابها للمحسن وعقابها للمسىء.وإلا ابتغاء وجه اللّه والتطلع إلى رضاه في ذلك العالم الآخر،الذي لا تضيع فيه صغيرة ولا كبيرة وإن تكن مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها اللّه.والذي يحرم هذه النافذة المضيئة الندية المريحة يعيش ولا ريب في العذاب كما يعيش في الضلال.يعيش فيهما وهو حي على هذه الأرض قبل أن يلقى عذاب الآخرة جزاء على هذا العذاب الذي لقيه في دنياه! إن الاعتقاد بالآخرة رحمة ونعمة يهبهما اللّه لمن يستحقهما من عباده بإخلاص القلب،وتحري الحق،والرغبة في الهدى.وأرجح أن هذا هو الذي تشير إليه الآية،وهي تجمع على الذين لا يؤمنون بالآخرة بين العذاب والضلال البعيد.