ويمضي السياق في هذا الدرس على هذا النحو،حتى ينتهي إلى أن يضع المسلمين وجها لوجه أمام الهدف الحقيقي لأهل الكتاب من اليهود والنصارى ..إنه تحويل المسلمين من دينهم إلى دين أهل الكتاب ولن يرضوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يتبع ملتهم،وإلا فهي الحرب والكيد والدس إلى النهاية! وهذه هي حقيقة المعركة التي تكمن وراء الأباطيل والأضاليل،وتتخفى خلف الحجج والأسباب المقنعة!!!
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا:راعِنا.وَقُولُوا:انْظُرْنا،وَاسْمَعُوا،وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ.ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ،وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ،وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ.أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ؟ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ،فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ،إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ،وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ،إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» ..
يتجه الخطاب في مطلع هذا الدرس إلى «الَّذِينَ آمَنُوا» يناديهم بالصفة التي تميزهم،والتي تربطهم بربهم ونبيهم،والتي تستجيش في نفوسهم الاستجابة والتلبية.
وبهذه الصفة ينهاهم أن يقولوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - «راعنا» - من الرعاية والنظر - وأن يقولوا بدلا منها مرادفها في اللغة العربية: «انْظُرْنا» ..ويأمرهم بالسمع بمعنى الطاعة،ويحذرهم من مصير الكافرين وهو العذاب الأليم: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا:راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا.وَاسْمَعُوا.وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ» .
وتذكر الروايات أن السبب في ذلك النهي عن كلمة «راعِنا» ..أن سفهاء اليهود كانوا يميلون ألسنتهم في نطق هذا اللفظ،وهم يوجهونه للنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يؤدي معنى آخر مشتقا من الرعونة.فقد كانوا يخشون أن يشتموا النبي - صلى الله عليه وسلم - مواجهة،فيحتالون على سبه - صلوات اللّه وسلامه عليه - عن هذا الطريق الملتوي،الذي لا يسلكه إلا صغار السفهاء! ومن ثم جاء النهي للمؤمنين عن اللفظ الذي يتخذه اليهود ذريعة،وأمروا أن يستبدلوا به مرادفه في المعنى،الذي لا يملك السفهاء تحريفه وإمالته.كي يفوتوا على اليهود غرضهم الصغير السفيه! واستخدام مثل هذه الوسيلة من اليهود يشي بمدى غيظهم وحقدهم،كما يشي بسوء الأدب،وخسة الوسيلة،وانحطاط السلوك.والنهي الوارد بهذه المناسبة يوحي برعاية اللّه لنبيه وللجماعة المسلمة،ودفاعه - سبحانه - عن أوليائه،بإزاء كل كيد وكل قصد شرير من أعدائهم الماكرين.