فالتعبير صادق في مدلوله الواقعي فوق صدقه في جماله الفني،الذي يرسم هذه الأرض تضيق بالثلاثة المخلفين،وتتقاصر أطرافها،وتنكمش رقعتها،فهم منها في حرج وضيق.
«وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ» ..فكأنما هي وعاء لهم تضيق بهم ولا تسعهم،وتضغطهم فيتكرب أنفاسهم.
« وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ» ..
وليس هناك ملجأ من اللّه لأحد،وهو آخذ بأقطار الأرض والسماوات.ولكن ذكر هذه الحقيقة هنا في هذا الجو المكروب يخلع على المشهد ظلا من الكربة واليأس والضيق،لا مخرج منه إلا بالالتجاء إلى اللّه مفرج الكروب ..
ثم يجيء الفرج .. «ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» .تاب عليهم من هذا الذنب الخاص،ليتوبوا توبة عامة عن كل ما مضى،ولينيبوا إلى اللّه إنابة كاملة في كل ما سيأتي.ومصداق هذا في قول كعب:قلت:يا رسول اللّه،إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللّه وإلى رسوله.قال: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» قال فقلت:فإني أمسك سهمي الذي بخيبر.وقلت:يا رسول اللّه إنما نجاني اللّه بالصدق وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت.قال:فو اللّه ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه اللّه من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أحسن مما أبلاني اللّه تعالى.واللّه ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا،وإني لأرجو أن يحفظني اللّه عز وجل فيما بقي.
ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا - في ظلال القرآن - مع هذه القصة الموحية ومع التعبير القرآني الفريد فيها.فحسبنا هنا ما وفق اللّه إليه فيها [1] .
وفي ظل قصة التوبة على الذين ترددوا والذين تخلفوا وفي ظل عنصر الصدق البادي في قصة الثلاثة الذين خلفوا يجيء الهتاف للذين آمنوا جميعا أن يتقوا اللّه ويكونوا مع الصادقين في إيمانهم من أهل السابقة ويجيء التنديد بتخلف أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب،مع الوعد بالجزاء السخي للمجاهدين:« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ،وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ،ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ،وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا،إِلَّا كُتِبَ
(1) - نرجو توفيق اللّه «في ظلال السيرة» للوقوف طويلا أمام هذه المواقف الموحية في السيرة. - لكنه استشهد قبل أن يقوم بهذا العمل رحمه الله . ( السيد رحمه الله )