يتحدث عن الدنيا التي كانت كما يتحدث عن التاريخ البعيد!َ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا،وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ - كانُوا - كافِرِينَ» وذلك من عجائب التخييل!
وعلى ختام المشهد يلتفت السياق بالخطاب إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ومن وراءه من المؤمنين وإلى الناس أجمعين ليعقب على هذا الحكم الصادر بجزاء الشياطين من الإنس والجن وبإحالة هذا الحشد الحاشد إلى النار وعلى إقرارهم بأن الرسل قد جاءت إليهم،تقص عليهم آيات اللّه،وتنذرهم لقاء يومهم هذا .. ليعقب على هذا المشهد وما كان فيه،بأن عذاب اللّه لا ينال أحدا إلا بعد الإنذار وأن اللّه لا يأخذ العباد بظلمهم (أي بشركهم) إلا بعد أن ينبهوا من غفلتهم وتقص عليهم الآيات،وينذرهم المنذرون: «ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى - بِظُلْمٍ - وَأَهْلُها غافِلُونَ» ..
لقد اقتضت رحمة اللّه بالناس ألا يؤاخذهم على الشرك والكفر حتى يرسل إليهم الرسل،على الرغم مما أودعه فطرتهم من الاتجاه إلى ربها - فقد تضل هذه الفطر - وعلى الرغم مما أعطاهم من قوة العقل والإدراك - فالعقل قد يضل تحت ضغط الشهوات - وعلى الرغم مما في كتاب الكون المفتوح من آيات - فقد تتعطل أجهزة الاستقبال كلها في الكيان البشري.
لقد ناط بالرسل والرسالات مهمة استنقاذ الفطرة من الركام،واستنقاذ العقل من الانحراف،واستنقاذ البصائر والحواس من الانطماس. وجعل العذاب مرهونا بالتكذيب والكفر بعد البلاغ والإنذار.
وهذه الحقيقة كما أنها تصور رحمة اللّه بهذا الإنسان وفضله،كذلك تصور قيمة المدارك البشرية من فطرة وعقل وتقرر أنها - وحدها - لا تعصم من الضلال،ولا تهدي إلى يقين،ولا تصبر على ضغط الشهوات ..ما لم تساندها العقيدة وما لم يضبطها الدين [1] ..
الدرس الثالث:133 - 135 غنى الله عن المخلوقين وقدرته النافذة فيهم
ثم يقرر السياق حقيقة أخرى في شأن الجزاء .. للمؤمنين وللشياطين سواء: «وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا. وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ» ..فللمؤمنين درجات:درجة فوق درجة. وللشياطين درجات:درجة تحت درجة! وفق الأعمال. والأعمال مرصودة لا يغيب منها شيء: «وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ» .
على أن اللّه - سبحانه - إنما يرسل رسله رحمة بالعباد فهو غني عنهم وعن إيمانهم به وعبادتهم له.
وإذا أحسنوا فإنما يحسنون لأنفسهم في الدنيا والآخرة. كذلك تتجلى رحمته في الإبقاء على الجيل العاصي الظالم المشرك،وهو القادر على أن يهلكه،وينشئ جيلا آخر يستخلفه: «وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ. إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ. كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ» .
(1) - يراجع بتوسع تفسير قوله تعالى: «رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» في الجزء السادس من الظلال ( السيد رحمه الله )