فهرس الكتاب

الصفحة 3422 من 4997

للجماعة حقوقها في هذا المال،ورقابتها على طرق تحصيله،وطرق تنميته.وطرق إنفاقه والاستمتاع به.وهو منهج خاص واضح الملامح متميز السمات.ولكن قارون لم يستمع لنداء قومه،ولم يشعر بنعمة ربه،ولم يخضع لمنهجه القويم.وأعرض عن هذا كله في استكبار لئيم وفي بطر ذميم.

ومن ثم جاءه التهديد قبل تمام الآية،ردا على قولته الفاجرة المغرورة: «أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا؟ وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ» .

فإن كان ذا قوة وذا مال،فقد أهلك اللّه من قبله أجيالا كانت أشد منه قوة وأكثر مالا.وكان عليه أن يعلم هذا.فهذا هو العلم المنجي.فليعلم.وليعلم أنه هو وأمثاله من المجرمين أهون على اللّه حتى من أن يسألهم عن ذنوبهم.فليسوا هم الحكم ولا الأشهاد! «وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ» !

الدرس الثاني:79 - 80 الناس فريقان أمام فتنة قارون

ذلك كان المشهد الأول من مشاهد القصة،يتجلى فيه البغي والتطاول،والإعراض عن النصح،والتعالي على العظة،والإصرار على الفساد،والاغترار بالمال،والبطر الذي يقعد بالنفس عن الشكران.

ثم يجيء المشهد الثاني حين يخرج قارون بزينته على قومه،فتطير لها قلوب فريق منهم،وتتهاوى لها نفوسهم،ويتمنون لأنفسهم مثل ما أوتي قارون،ويحسون أنه أوتي حظا عظيما يتشهاه المحرومون.ذلك على حين يستيقظ الإيمان في قلوب فريق منهم فيعتزون به على فتنة المال وزينة قارون،ويذكرون إخوانهم المبهورين المأخوذين،في ثقة وفي يقين: «فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا:يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ.إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ.وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ:وَيْلَكُمْ! ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا،وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ» .

وهكذا وقفت طائفة منهم أمام فتنة الحياة الدنيا وقفة المأخوذ المبهور المتهاوي المتهافت،ووقفت طائفة أخرى تستعلي على هذا كله بقيمة الإيمان،والرجاء فيما عند اللّه،والاعتزاز بثواب اللّه.والتقت قيمة المال وقيمة الإيمان في الميزان: «قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا:يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ.إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» ..

وفي كل زمان ومكان تستهوي زينة الأرض بعض القلوب،وتبهر الذين يريدون الحياة الدنيا،ولا يتطلعون إلى ما هو أعلى وأكرم منها فلا يسألون بأي ثمن اشترى صاحب الزينة زينته؟ ولا بأي الوسائل نال ما نال من عرض الحياة؟ من مال أو منصب أو جاه.ومن ثم تتهافت نفوسهم وتتهاوى،كما يتهافت الذباب على الحلوى ويتهاوى! ويسيل لعابهم على ما في أيدي المحظوظين من متاع،غير ناظرين إلى الثمن الباهظ الذي أدوه،ولا إلى الطريق الدنس الذي خاضوه،ولا إلى الوسيلة الخسيسة التي اتخذوها.

فأما المتصلون باللّه فلهم ميزان آخر يقيم الحياة،وفي نفوسهم قيم أخرى غير قيم المال والزينة والمتاع.وهم أعلى نفسا،وأكبر قلبا من أن يتهاووا ويتصاغروا أمام قيم الأرض جميعا.ولهم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت