فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 4997

ونقف هنا لحظة أمام التعبيرين المصورين العجيبين: «قالُوا:سَمِعْنا وَعَصَيْنا» .. «وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ» ..إنهم قالوا:سمعنا.ولم يقولوا عصينا.ففيم إذن حكاية هذا القول عنهم هنا؟ إنه التصوير الحي للواقع الصامت كأنه واقع ناطق،لقد قالوا بأفواههم:سمعنا.وقالوا بأعمالهم:عصينا.والواقع العملي هو الذي يمنح القول الشفوي دلالته.وهذه الدلالة أقوى من القول المنطوق ..وهذا التصوير الحي للواقع يومىء إلى مبدأ كلي من مبادئ الإسلام:إنه لا قيمة لقول بلا عمل.إن العمل هو المعتبر.أو هي الوحدة بين الكلمة المنطوقة والحركة الواقعة،وهي مناط الحكم والتقدير.

فأما الصورة الغليظة التي ترسمها: «وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ» فهي صورة فريدة.لقد أشربوا،أشربوا بفعل فاعل سواهم.أشربوا ماذا؟ أشربوا العجل! وأين أشربوه؟ أشربوه في قلوبهم! ويظل الخيال يتمثل تلك المحاولة العنيفة الغليظة،وتلك الصورة الساخرة الهازئة:صورة العجل يدخل في القلوب إدخالا،ويحشر فيها حشرا،حتى ليكاد ينسى المعنى الذهني الذي جاءت هذه الصورة المجسمة لتؤديه،وهو حبهم الشديد لعبادة العجل،حتى لكأنهم أشربوه إشرابا في القلوب! هنا تبدو قيمة التعبير القرآني المصور،بالقياس إلى التعبير الذهني المفسر ..إنه التصوير ..السمة البارزة في التعبير القرآني الجميل.

الدرس الثامن:94 - 96 عدم تمنيهم الموت وحرصهم على الحياة

ثم لقد كانوا يطلقونها دعوى عريضة ..إنهم شعب اللّه المختار.إنهم وحدهم المهتدون.إنهم وحدهم الفائزون في الآخرة.إنه ليس لغيرهم من الأمم في الآخرة عند اللّه نصيب.

وهذه الدعوى تتضمن أن المؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - لا نصيب لهم في الآخرة.والهدف الأول هو زعزعة ثقتهم بدينهم وبوعود رسولهم ووعود القرآن لهم ..فأمر اللّه نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو اليهود إلى مباهلة.أي بأن يقف الفريقان ويدعوا اللّه بهلاك الكاذب منهما: « قُلْ:إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ،فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .

ويعقب على هذا التحدي بتقرير أنهم لن يقبلوا المباهلة،ولن يطلبوا الموت.لأنهم يعلمون أنهم كاذبون ويخشون أن يستجيب اللّه فيأخذهم.وهم يعلمون أن ما قدموه من عمل لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة.وعندئذ يكونون قد خسروا الدنيا بالموت الذي طلبوه،وخسروا الآخرة بالعمل السيء الذي قدموه ..ومن ثم فإنهم لن يقبلوا التحدي.فهم أحرص الناس على حياة.وهم والمشركون في هذا سواء: «وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ.وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ.وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ.وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ،وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت