فهرس الكتاب

الصفحة 4425 من 4997

الراكد البارد يصورهم من ناحية فقه أرواحهم إن كانت لهم أرواح! ويقابله من ناحية أخرى حالة من التوجس الدائم والفزع الدائم والاهتزاز الدائم: «يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ» ..فهم يعرفون أنهم منافقون مستورون بستار رقيق من التظاهر والحلف والملق والالتواء.وهم يخشون في كل لحظة أن يكون أمرهم قد افتضح وسترهم قد انكشف.والتعبير يرسمهم أبدا متلفتين حواليهم يتوجسون من كل حركة ومن كل صوت ومن كل هاتف،يحسبونه يطلبهم،وقد عرف حقيقة أمرهم!!

وبينما هم خشب مسندة ملطوعة إذا كان الأمر أمر فقه وروح وشعور بإيقاعات الإيمان ..إذا هم كالقصبة المرتجفة في مهب الريح إذا كان الأمر أمر خوف على الأنفس والأموال! وهم بهذا وذاك يمثلون العدو الأول للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين: «هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ» ..

هم العدو الحقيقي.العدو الكامن داخل المعسكر،المختبئ في الصف.وهو أخطر من العدو الخارجي الصريح. «فَاحْذَرْهُمْ» ..ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يؤمر هنا بقتلهم،فأخذهم بخطة أخرى فيها حكمة وسعة وثقة بالنجاة من كيدهم (كما سيجيء نموذج من هذه المعاملة بعد قليل) ..

«قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» ..فاللّه مقاتلهم حيثما صرفوا وأنى توجهوا.والدعاء من اللّه حكم بمدلول هذا الدعاء،وقضاء نافذ لا راد له ولا معقب عليه ..وهذا هو الذي كان في نهاية المطاف.

الدرس الثاني:5 - 8 تآمر المنافقين على المسلمين وقصة ابن أبي في الفتنة

ويستطرد السياق في وصف تصرفاتهم الدالة على دخل قلوبهم،وتبييتهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وكذبهم عند المواجهة ..وهي مجموعة من الصفات اشتهر بها المنافقون: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) } [المنافقون:5 - 8] ..

وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد اللّه بن أبي بن سلول:

وفصل ابن إسحاق هذا في حديثه عن غزوة بني المصطلق سنة ست على المريسيع ..ماء لهم ..فَبَيْنَا رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ وَرَدَتْ وَارِدَةُ النّاسِ وَمَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ أَجِيرٌ لَهُ مِنْ بَنِي غِفَارٍ،يُقَالُ لَهُ جَهْجَاه بْنُ مَسْعُودٍ يَقُودُ فَرَسَهُ فَازْدَحَمَ جَهْجَاه وَسِنَانُ بْنُ وَبَرٍ الْجُهَنِيّ،حَلِيفُ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ عَلَى الْمَاءِ فَاقْتَتَلَا،فَصَرَخَ الْجُهَنِيّ:يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ،وَصَرَخَ جَهْجَاه:يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ فَغَضِبَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ وَعِنْدَهُ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلّا كَمَا قَالَ الْأَوّلُ سَمّنْ كَلْبَك يَأْكُلْك،أَمَا وَاَللّهِ { لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلّ } ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُمْ هَذَا مَا فَعَلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلَادَكُمْ وَقَاسَمْتُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ أَمَا وَاَللّهِ لَوْ أَمْسَكْتُمْ عَنْهُمْ مَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت