واللّه سبحانه يعلم ما هو؟ وما اختباره؟ وما ثمرة اختباره؟ ولكن المراد أن يظهر ذلك على مسرح الوجود،وأن تترتب عليه آثاره المقدرة في كيان الوجود،وأن تتبعه آثاره المقدرة.ويجزى وفق ما يظهر من نتائج ابتلائه.ومن ثم جعله سميعا بصيرا.أي زوده بوسائل الإدراك،ليستطيع التلقي والاستجابة.وليدرك الأشياء والقيم ويحكم عليها ويختار.ويجتاز الابتلاء وفق ما يختار ..
وإذن فإن إرادة اللّه في امتداد هذا الجنس وتكرر أفراده بالوسيلة التي قدرها،وهي خلقته من نطفة أمشاج ..
كانت وراءها حكمة.وكان وراءها قصد.ولم تكن فلتة ..كان وراءها ابتلاء هذا الكائن واختباره.ومن ثم وهب الاستعداد للتلقي والاستجابة،والمعرفة والاختبار ..وكان كل شيء في خلقه وتزويده بالمدارك وابتلائه في الحياة ..بمقدار! ثم زوده إلى جانب المعرفة،بالقدرة على اختيار الطريق،وبين له الطريق الواصل.ثم تركه ليختاره،أو ليضل ويشرد فيما وراءه من طرق لا تؤدي إلى اللّه: «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ:إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا» ..وعبر عن الهدى بالشكر.لأن الشكر أقرب خاطر يرد على قلب المهتدي،بعد إذ يعلم أنه لم يكن شيئا مذكورا،فأراد ربه له أن يكون شيئا مذكورا.ووهب له السمع والبصر.وزوده بالقدرة على المعرفة.ثم هداه السبيل.وتركه يختار ..الشكر هو الخاطر الأول الذي يرد على القلب المؤمن في هذه المناسبة.فإذا لم يشكر فهو الكفور ..بهذه الصيغة الموغلة في الدلالة على الكفران.
ويشعر الإنسان بجدية الأمر ودقته بعد هذه اللمسات الثلاث.ويدرك أنه مخلوق لغاية.وانه مشدود إلى محور.وأنه مزود بالمعرفة فمحاسب عليها.وأنه هنا ليبتلى ويجتاز الابتلاء .فهو في فترة امتحان يقصيها على الأرض،لا في فترة لعب ولهو وإهمال! ويخرج من هذه الآيات الثلاث القصار بذلك الرصيد من التأملات الرفيقة العميقة،كما يخرج منها مثقل الظهر بالتبعة والجد والوقار في تصور هذه الحياة،وفي الشعور بما وراءها من نتائج الابتلاء ! وتغير هذه الآيات الثلاث القصار من نظرته إلى غاية وجوده،ومن شعوره بحقيقة وجوده،ومن أخذه للحياة وقيمها بوجه عام.
ومن ثم يأخذ في عرض ما ينتظر الإنسان بعد الابتلاء ،واختياره طريق الشكر أو طريق الكفران.
فأما ما ينتظر الكافرين،فيجمله إجمالا،لأن ظل السورة هو ظل الرخاء الظاهر في الصورة والإيقاع.وظل الهتاف المغري بالنعيم المريح.فأما العذاب فيشير إليه في إجمال: «إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا» ..سلاسل للأقدام،وأغلالا للأيدي،ونارا تتسعر يلقى فيها بالمسلسلين المغلولين!
ثم يسارع السياق إلى رخاء النعيم: «إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا.عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا» ..