فهرس الكتاب

الصفحة 3123 من 4997

الدرس الثالث:65 حفظ الله للكون وتدبيره بقدرته

ويستطرد السياق مرة أخرى إلى استعراض دلائل القدرة المعروضة للناس في كل حين: « أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ،وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ.وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ.إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» ..

وفي هذه الأرض كم من قوة وكم من ثروة سخرها اللّه لهذا الإنسان وهو غافل عن يد اللّه ونعمته التي يتقلب فيها بالليل والنهار!

لقد سخر اللّه ما في الأرض لهذا الإنسان،فجعل نواميسها موافقة لفطرته وطاقاته.ولو اختلفت فطرة الإنسان وتركيبه عن نواميس هذه الأرض ما استطاع الحياة عليها،فضلا على الانتفاع بها وبما فيها ..لو اختلف تركيبه الجسدي عن الدرجة التي يحتمل فيها جو هذه الأرض،واستنشاق هوائها،والتغذي بطعامها والارتواء بمائها لما عاش لحظة.ولو اختلفت كثافة بدنه أو كثافة الأرض عما هي عليه ما استقرت قدماه على الأرض،ولطار في الهواء أو غاص في الثرى ..ولو خلا وجه هذه الأرض من الهواء أو كان هذا الهواء أكثف مما هو أو أخف لاختنق هذا الإنسان أو لعجز عن استنشاق الهواء مادة الحياة! فتوافق نواميس هذه الأرض وفطرة هذا الإنسان هو الذي سخر الأرض وما فيها لهذا الإنسان.وهو من أمر اللّه.

ولقد سخر اللّه له ما في الأرض مما وهبه من طاقات وإدراكات صالحة لاستغلال ثروات هذه الأرض،وما أودعه اللّه إياها من ثروات وطاقات ظاهرة وكامنة يكشف منها الإنسان واحدة بعد واحدة - وكلما احتاج إلى ثروة جديدة فض كنوزا جديدة.وكلما خشي أن ينفذ رصيده من تلك الكنوز تكشف له منها رصيد جديد ..وها هو ذا اليوم لم يستنفد بعد ثروة البترول وسائر الفلزات ثم فتح له كنز الطاقة الذرية والطاقة الإيدروجينية.وإن يكن بعد كالطفل يعبث بالنار فيحرق نفسه بها ويحرق سواه،إلا حين يهتدي بمنهج اللّه في الحياة،فيوجه طاقاتها وثرواتها إلى العمران والبناء،ويقوم بالخلافة في الأرض كما أرادها اللّه!

«وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ» ..فهو الذي خلق النواميس التي تسمح بجريان الفلك في البحر.وعلم الإنسان كيف يهتدي إلى هذه النواميس،فيسخرها لمصلحته وينتفع بها هذا الانتفاع.ولو اختلفت طبيعة البحر أو طبيعة الفلك.أو لو اختلفت مدارك هذا الإنسان ..ما كان شيء من هذا الذي كان! «وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» ..وهو الذي خلق الكون وفق هذا النظام الذي اختاره له وحكم فيه تلك النواميس التي تظل بها النجوم والكواكب مرفوعة متباعدة،لا تسقط ولا يصدم بعضها بعضا ..وكل تفسير فلكي للنظام الكوني ما يزيد على أنه محاولة لتفسير الناموس المنظم للوضع القائم الذي أنشأه خالق هذا النظام.وإن كان بعضهم ينسى هذه الحقيقة الواضحة،فيخيل إليه أنه حين يفسر النظام الكوني ينفي يد القدرة عن هذا الكون ويستبعد آثارها!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت