فهرس الكتاب
الشيطان من عداء قديم،فاستجابوا لدعوته الباطلة وتركوا دعوة الحق من اللّه: «وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي» ! ثم يؤنبهم،ويدعوهم لتأنيب أنفسهم.يؤنبهم على أن أطاعوه!: «فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ» ! ثم يخلي بهم،وينفض يده منهم،وهو الذي وعدهم من قبل ومناهم،ووسوس لهم أن لا غالب لهم فأما الساعة فما هو بملبيهم إذا صرخوا،كما أنهم لن ينجدوه إذا صرخ: «ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ» ..وما بيننا من صلة ولا ولاء! ثم يبرأ من إشراكهم به ويكفر بهذا الإشراك: «إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ» ! ثم ينهي خطبته الشيطانية بالقاصمة يصبها على أوليائه: «إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» ! فيا للشيطان! ويا لهم من وليهم الذي هتف بهم إلى الغواية فأطاعوه ودعاهم الرسل إلى اللّه فكذبوهم وجحدوه! وقبل أن يسدل الستار نبصر على الضفة الأخرى بتلك الأمة المؤمنة،الأمة الفائزة،الأمة الناجية: «وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ،خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ،تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ» ..ويسدل الستار ..
فيا له من مشهد! ويا لها من خاتمة لقصة الدعوة والدعاة مع المكذبين والطغاة!
وفي ظل هذه القصة بفصولها جميعا.في الدنيا حيث وقفت أمة الرسل في مواجهة الجاهلية الظالمة: «وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ.مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ.يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ،وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ» ..وفي الآخرة حيث شاهدنا ذلك المشهد الفريد:مشهد الذين استكبروا والضعفاء والشيطان،مع ذلك الحوار العجيب ..
في ظل تلك القصة ومصائر الأمة الطيبة،والفرقة الخبيثة،يضرب اللّه مثل الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة،لتصوير سنته الجارية في الطيب والخبيث في هذه الحياة فتكون خاتمة كتعليق الراوية على الرواية بعد إسدال الستار: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ،أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ،تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها،وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ..«يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ» ..
إن مشهد الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ...والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة،اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ..هو مشهد مأخوذ من جو السياق،ومن قصة النبيين والمكذبين،ومصير هؤلاء وهؤلاء بوجه خاص.وشجرة النبوة هنا وظل إبراهيم أبي الأنبياء عليها واضح،وهي تؤتي أكلها كل فترة،أكلا جنيا طيبا ..نبيا من الأنبياء ..يثمر إيمانا وخيرا وحيوية ..ولكن المثل - بعد تناسقه مع جو السورة وجو القصة - أبعد من هذا آفاقا،وأعرض مساحة،وأعمق حقيقة.